الخميس 09 يوليو 2026 الموافق 24 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الحمل تحت القصف.. تدهور الصحة الإنجابية في غزة

الرئيس نيوز

لم تعد آثار الحرب في غزة تقاس فقط بحجم الدمار وعدد الضحايا، بل امتدت إلى قضية أكثر حساسية تتعلق بمستقبل المجتمع نفسه، بعدما أثارت أوضاع النساء الحوامل وخدمات الصحة الإنجابية جدلًا دوليًا واسعًا، ودفعت منظمات حقوقية وخبراء إلى استخدام مصطلحات مثل "العنف الإنجابي" و"الإبادة الإنجابية" لوصف ما يعتبرونه تدميرًا للظروف الضرورية لاستمرار الحياة الأسرية والإنجابية في القطاع، وفقا لصحيفة لوموند الفرنسية.

 مفهوم "الإبادة الإنجابية"

ويشير مفهوم "الإبادة الإنجابية" إلى الأفعال التي تؤدي إلى تقويض قدرة جماعة ما على الإنجاب أو الحفاظ على نموها السكاني، سواء عبر استهداف خدمات الرعاية الصحية المرتبطة بالولادة، أو خلق ظروف معيشية تجعل الحمل والولادة أكثر خطورة، أو تدمير البنية التحتية الطبية والاجتماعية اللازمة للأسر.

تتهم منظمات حقوقية وجهات فلسطينية إسرائيل بأن العمليات العسكرية والقيود المفروضة على القطاع أدت إلى ظروف أثرت بشكل بالغ على صحة النساء الحوامل والمواليد. في المقابل، ترفض إسرائيل هذه الاتهامات، وتؤكد أن عملياتها تستهدف حركة حماس وليس المدنيين، وأن الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي جاءت في سياق الحرب المستمرة، وفقا لموقع ميدل إيست آي.

الحمل في غزة.. جبهة جديدة للمعاناة

بحسب تقرير نشره الموقع اللندني، نقلًا عن شهادات وتقارير فلسطينية، أصبحت تجربة الحمل في غزة خلال الحرب محفوفة بمخاطر غير مسبوقة نتيجة اجتماع عدة عوامل، بينها سوء التغذية الحاد، والنزوح المتكرر، ونقص الأدوية، والضغط النفسي الشديد، والخوف المستمر، ويروي التقرير قصة الفلسطينية سعاد عيسى، البالغة من العمر 37 عامًا، التي قالت إنها تعرضت لإجهاض في الشهر الرابع من الحمل بعد حدوث تشوهات شديدة في الجنين، وربطت ذلك بالأوضاع التي عاشتها خلال فترة القصف والنزوح ونقص الغذاء والرعاية الطبية.

كما نقل التقرير قصة منال السرسّاوي، التي تحدثت عن تعرضها لإجهاضين خلال الحرب، أحدهما في الشهر الخامس من الحمل، في وقت لم تتمكن فيه من الحصول على دواء الغدة الدرقية الذي كانت تحتاجه، وسط نقص واسع في الأدوية داخل القطاع.

ارتفاع الإجهاض وتراجع الولادات

تشير بيانات نقلها التقرير عن وزارة الصحة الفلسطينية إلى ارتفاع كبير في حالات الإجهاض خلال فترة الحرب. ووفق الأرقام الواردة، سُجل نحو 6000 حالة إجهاض خلال عام 2025، بينما وصلت المعدلات خلال عام 2026 إلى نحو 500 أو 600 حالة شهريًا.

وأشار التقرير إلى تسجيل 921 حالة إجهاض خلال شهر واحد فقط، في مؤشر اعتبرته جهات فلسطينية انعكاسًا للظروف الصحية والإنسانية القاسية التي تواجه النساء الحوامل. وفي الوقت نفسه، شهدت معدلات الولادة انخفاضًا حادًا، إذ أشار التقرير إلى تراجع عدد الولادات الشهرية من 6076 ولادة في نوفمبر إلى نحو 2004 ولادات في أبريل، بانخفاض يقارب 67%.

كما تراجعت الولادات السنوية من نحو 57 ألفًا عام 2022 إلى 54 ألفًا عام 2023، ثم إلى 38 ألفًا عام 2024، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

تدمير خدمات الخصوبة ومستقبل الأسر

من أبرز القضايا التي أثارت اهتمامًا عالميًا قضية تدمير مركز متخصص في علاج العقم وأطفال الأنابيب في غزة، وما ترتب عليه من فقدان عينات أجنة محفوظة.

وأصبحت هذه الواقعة رمزًا للجدل حول تأثير الحرب على قدرة الأسر الفلسطينية على الإنجاب، إذ يرى منتقدون أن تدمير المنشآت الطبية المتخصصة لا يمثل خسارة للحاضر فقط، بل يؤثر أيضًا على مستقبل العائلات التي كانت تخطط للإنجاب.

تشوهات خلقية ومخاوف صحية طويلة الأمد

وأشار التقرير إلى تسجيل مئات الحالات من التشوهات الخلقية لدى الأجنة، وربط ذلك بعوامل متعددة تشمل سوء التغذية، والنزوح إلى أماكن غير مجهزة، وتلوث مصادر المياه، والظروف البيئية القاسية.

ويقول مسؤولون صحيون فلسطينيون إن تأثير الحرب لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى الأجيال المقبلة عبر تأثيره على صحة الأمهات والأطفال.

اتهامات حقوقية ومواجهة قانونية

تأتي هذه الاتهامات في وقت تناقش فيه منظمات حقوقية دولية مفهوم "العنف الإنجابي" في سياق الحرب على غزة.

وذكرت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية، بينها "أطباء من أجل حقوق الإنسان" بالتعاون مع "Global Human Rights Clinic" في جامعة شيكاغو، أن ما يحدث في غزة قد يندرج ضمن سياسة تؤثر على قدرة الفلسطينيين على الإنجاب، معتبرة أن ذلك يستحق التحقيق وفق معايير القانون الدولي.

تقول الجهات المنتقدة لإسرائيل إن حجم الدمار الذي أصاب المستشفيات والبنية الصحية، إلى جانب ظروف الجوع والنزوح، أدى إلى تقويض الظروف الأساسية للحياة الإنجابية في غزة. في المقابل، تنفي إسرائيل هذه الاتهامات بشدة، زاعمة أن الحرب تستهدف البنية العسكرية لحماس، وأنها لا تستهدف السكان الفلسطينيين أو حقهم في الحياة الأسرية.

أزمة قد تمتد لأجيال

يرى خبراء إنسانيون أن إعادة بناء غزة لن تقتصر على إعادة إعمار المباني، بل ستشمل استعادة منظومة صحية كاملة قادرة على توفير رعاية النساء والأطفال، ومعالجة الآثار النفسية والجسدية التي خلفتها الحرب.

فالحروب لا تترك آثارها فقط في ساحات القتال، بل تمتد إلى مستقبل المجتمعات من خلال تأثيرها على الصحة والتعليم والاقتصاد والقدرة على تكوين الأسر.

ولهذا أصبحت قضية الإنجاب في غزة جزءًا من معركة أوسع حول القانون الدولي وحقوق الإنسان، وسط مطالبات بتحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات وضمان حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.هذه النسخة أصبحت أقرب إلى تحقيق حقوقي دولي، مع إدخال الأرقام والشهادات التي أرسلتها، بدل أن تبقى مجرد عرض عام للقضية.