< لا مكان للعيش.. كيف تحولت أزمة السكن إلى أكبر تهديد سياسي يواجه أوروبا؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

لا مكان للعيش.. كيف تحولت أزمة السكن إلى أكبر تهديد سياسي يواجه أوروبا؟

الرئيس نيوز

تتفاقم أزمة السكن في أوروبا بوتيرة متسارعة كواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا على الساحة السياسية، بعدما باتت تؤثر في قرارات الزواج والإنجاب، وتزيد من حدة الاستقطاب السياسي، وتضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار صعب للحفاظ على ما يُعرف بـ"العقد الاجتماعي" الذي طالما ضمن للمواطنين حق الحصول على سكن لائق. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن القارة تواجه أزمة هيكلية لن تُحل بإجراءات مؤقتة، بل تحتاج إلى إعادة صياغة سياسات الإسكان بالكامل، وفقا لموقع ذا إنسايدر

السكن يتصدر مخاوف الأوروبيين

أصبح نقص المساكن الميسورة التكلفة الكابوس الأكثر إثارة للخوف والقلق بالنسبة لسكان المدن الأوروبية. وأظهر استطلاع "يوروباروميتر" لعام 2025 أن 51% من الأوروبيين يعتبرون أزمة السكن أكبر تحدٍ يواجههم، متقدمة على البطالة والفقر. كما تتزايد قناعة الشباب بأن امتلاك منزل أصبح حلمًا بعيد المنال، إذ سجلت التشيك أعلى مستويات التشاؤم، تلتها سلوفينيا وإيطاليا وأيرلندا، في ظل اتهامات لسياسات حكومية منحت الأولوية للمستثمرين على حساب السكان.

أزمة تمتد إلى الأسر والمواليد

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود الاقتصاد، بل امتدت إلى التركيبة السكانية للقارة. فارتفاع أسعار المنازل والإيجارات دفع كثيرًا من الأزواج الشباب إلى تأجيل الزواج أو الإنجاب حتى يتمكنوا من تأمين مسكن مناسب. وتشير الدراسات إلى أن تراجع معدلات المواليد في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2010 يرتبط بشكل وثيق بارتفاع تكاليف السكن، فيما ارتفعت نسبة الشباب العاملين الذين يواصلون العيش مع ذويهم بسبب غلاء المساكن بصورة ملحوظة في دول مثل أيرلندا وإسبانيا والبرتغال.

الأسعار تقفز أسرع من الدخول

بين عامي 2010 و2024، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنحو 55%، بينما لم تزد الدخول الحقيقية للأسر سوى بنسبة تراوحت بين 10 و15%. وتُعد أمستردام المدينة الأقل قدرة على تحمل تكاليف شراء المساكن في أوروبا، إذ يحتاج شراء شقة متوسطة إلى ما يعادل أكثر من 15 عامًا من متوسط الدخل، تليها أثينا وبراغ. كما ارتفعت الإيجارات في أنحاء أوروبا بنحو 27.8% خلال الفترة نفسها، بينما سجلت بعض الدول زيادات تجاوزت 100%، ما جعل الإيجار يلتهم معظم دخل الشباب في عدد من المدن الأوروبية.

لماذا تتفاقم الأزمة؟

يرجع التقرير السبب الرئيسي إلى النقص الحاد في المعروض من المساكن. وتشير التقديرات إلى أن أوروبا تعاني عجزًا يقترب من 9.6 ملايين وحدة سكنية، بينما تحتاج إلى بناء نحو 650 ألف منزل إضافي سنويًا لتلبية الطلب. لكن ارتفاع تكاليف البناء، وتعقيد إجراءات التراخيص، واعتراض السكان المحليين على المشروعات الجديدة، كلها عوامل تعرقل زيادة المعروض، في وقت يستمر فيه نمو المدن بفعل الهجرة الداخلية والخارجية وتزايد أعداد الأسر الصغيرة والأفراد الذين يعيشون بمفردهم.\

مساكن أم أدوات استثمارية

يشير التقرير إلى أن الأزمة تفاقمت أيضًا بسبب تحول العقارات إلى ملاذ استثماري. فقد ارتفعت استثمارات المؤسسات والصناديق المالية في القطاع السكني الأوروبي بشكل كبير خلال العامين الماضيين، متجاوزة 70 مليار يورو، مع زيادة ملحوظة في الاستثمارات القادمة من الولايات المتحدة وكندا. وأصبحت شريحة من المستثمرين تشتري المنازل للاحتفاظ بها كأصول تحمي الأموال من التضخم، بدلًا من عرضها للإيجار، ما أدى إلى خروج آلاف الوحدات السكنية من السوق وزيادة الضغوط على المشترين والمستأجرين.

حلول عاجزة أمام النتائج المرجوة

حاولت الحكومات الأوروبية احتواء الأزمة عبر حزم متنوعة من السياسات، شملت دعم الرهن العقاري، وتقديم إعانات للمشترين لأول مرة، وفرض قيود على شراء الأجانب، وتجميد الإيجارات في بعض المدن، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على منصات الإيجار السياحي مثل Airbnb. إلا أن التقرير يرى أن معظم هذه الإجراءات لم تحقق التأثير المطلوب، لأن ضخ الأموال في سوق يعاني أصلًا نقصًا في المعروض يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، بينما أسهم تجميد الإيجارات في تقليص عدد الوحدات المتاحة للإيجار، ولم تنجح القيود على الإيجارات السياحية إلا في تحقيق تأثير محدود للغاية على الأسعار.

صراع جديد داخل المدن الأوروبية

تكشف الأزمة عن انقسام متزايد بين تيارين متعارضين. الأول يضم ملاك المنازل الذين يرفضون إقامة مشروعات سكنية جديدة بالقرب منهم حفاظًا على قيمة ممتلكاتهم ونمط حياتهم، فيما يدعو التيار الآخر، الذي يقوده الشباب والمخططون العمرانيون، إلى تسريع البناء وزيادة الكثافة السكانية داخل المدن لمعالجة النقص المزمن في المساكن. ويؤكد التقرير أن الكفة بدأت تميل تدريجيًا لصالح هذا الاتجاه، مع إقرار بعض الحكومات تشريعات تحد من قدرة السلطات المحلية على تعطيل مشروعات الإسكان التي تتوافق مع الخطط الوطنية. 

أزمة تهدد استقرار أوروبا

يخلص التقرير إلى أن أزمة السكن لم تعد مجرد ملف عقاري، بل أصبحت قضية تمس مستقبل أوروبا السياسي والاجتماعي. فاستمرار ارتفاع الأسعار، وتراجع فرص امتلاك المنازل، وتأجيل تكوين الأسر، كلها عوامل تغذي السخط الشعبي وتزيد من جاذبية الأحزاب الاحتجاجية على جانبي الطيف السياسي. ويرى التقرير أن الحل الأكثر استدامة لا يكمن في فرض مزيد من القيود على السوق، وإنما في إطلاق موجة واسعة من بناء المساكن الميسورة، وتسريع إجراءات التراخيص، واستغلال الأراضي غير المستخدمة، وإعادة الوحدات السكنية الشاغرة إلى السوق، وإلا فإن أزمة الإسكان قد تتحول إلى أزمة ثقة تهدد الاستقرار السياسي في القارة.