الثلاثاء 07 يوليو 2026 الموافق 22 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
رياضة

تدخل ترامب لإلغاء طرد بلوجون يضع الفيفا في مهب العاصفة

الرئيس نيوز

في فضيحة كروية تهز نزاهة واستقلالية قرارات الاتحاد الدولي، الفيفا، وفي واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ بطولات كأس العالم، تحولت بطاقة حمراء بدت في ظاهرها قرارا تحكيميا اعتياديا إلى أزمة دولية امتدت تداعياتها إلى ما هو أبعد من المستطيل الأخضر. 

فقد أثار التدخل المباشر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قضية طرد مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوجون خلال مواجهة الولايات المتحدة أمام البوسنة والهرسك عاصفة غير مسبوقة من الانتقادات، بعدما قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف، وهو ما فتح الباب أمام اتهامات بالتدخل السياسي في شؤون اللعبة، وأعاد طرح تساؤلات قديمة حول استقلالية المؤسسات الرياضية وقدرتها على مقاومة الضغوط السياسية. 

ولم يعد الأمر مجرد خلاف بشأن قرار تحكيمي، بل تحول إلى قضية تمس نزاهة البطولة ومستقبل العلاقة بين السياسة وكرة القدم، وفقا لشبكة دويتشه فيله الألمانية.

بطاقة حمراء أشعلت الجدل


بدأت فصول القضية خلال مباراة دور الـ32 التي جمعت المنتخب الأمريكي بنظيره البوسني، عندما نجح فولارين بالوجون، مهاجم أرسينال والمنتخب الأمريكي، في افتتاح التسجيل مبكرا، قبل أن تنقلب الأجواء تماما في الدقيقة الرابعة والستين، إثر تدخل قوي على كاحل أحد مدافعي البوسنة والهرسك. وبعد مراجعة اللقطة عبر تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، أيد طاقم التحكيم قرار الطرد المباشر، باعتبار أن المخالفة تستوجب البطاقة الحمراء والإيقاف التلقائي لمباراة واحدة على الأقل وفقا للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وجاء القرار بمثابة ضربة قوية للمنتخب الأمريكي، الذي كان يستعد لمواجهة صعبة أمام المنتخب البلجيكي في دور الـ16، خاصة أن بالوجون، صاحب الأصول النيجيرية البريطانية، يعد أحد أبرز العناصر الهجومية في تشكيلة المدرب ماوريسيو بوتشيتينو، وأحد أهم الأوراق التي كانت الجماهير الأمريكية تعول عليها لمواصلة البطولة.


مكالمة رئاسية غيرت مسار قرار الحكم


لم تستمر تداعيات قرار الطرد داخل الإطار الرياضي فقط، إذ سرعان ما دخلت السياسة على الخط. ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالا مباشرا برئيس الفيفا، طالب خلاله بإعادة النظر في قرار الطرد، معتبرا أن ما حدث يمثل "ظلما واضحا" بحق اللاعب، وفي تصريحات لاحقة اتهم ترامب الحكم بأن لديه تاريخ تحكيمي مشين.


ولم يخف ترامب موقفه بعد ذلك، إذ صرح علنا بأنه طلب مراجعة القرار لأنه لم ير أن الواقعة تستحق الطرد، واصفا الاحتكاك بأنه مجرد تصادم بين لاعبين متحمسين خلال منافسة قوية. وبعد وقت قصير، أعلنت لجنة الانضباط في الفيفا تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف لمدة عام استنادا إلى المادة السابعة والعشرين من اللائحة الانضباطية، مع الإبقاء على البطاقة الحمراء نفسها دون إلغائها، وهو قرار غير معتاد أثار الكثير من علامات الاستفهام داخل الأوساط الرياضية.


وزادت حدة الجدل بعدما احتفى ترامب بقرار تعليق بطاقة الطرد عبر منصة "تروث سوشيال"، موجها الشكر إلى الفيفا على ما اعتبره تصحيحا لقرار ظالم، بينما أصدر البيت الأبيض تصريحات اعتبرت الخطوة انتصارا للعدالة الرياضية، وهو ما وسع دائرة الانتقادات خارج الولايات المتحدة.
 

غضب أوروبي وانتقادات غير مسبوقة


لم تتأخر ردود الفعل الدولية، حيث عبر الاتحاد البلجيكي لكرة القدم عن استغرابه الشديد من القرار، واعتبره غير مفهوم ويفتقر إلى المبررات القانونية، معلنا دراسة جميع الخيارات المتاحة، بما في ذلك الطعن في أهلية اللاعب إذا شارك في المباراة التالية.

كما سخر مدرب المنتخب البلجيكي رودي جاسيا من التطورات، مشبها ما حدث بمشهد من "يوم كذبة أبريل"، بينما رأى مسؤولون داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أن القرار يمثل تجاوزا خطيرا للحدود الفاصلة بين السلطة السياسية والإدارة الرياضية، ويحمل تهديدا مباشرا لمبدأ استقلالية كرة القدم.


وفي السياق نفسه، وجه سيب بلاتر انتقادات حادة للتدخل السياسي، معتبرا أن مثل هذه السوابق تقوض مصداقية اللعبة، بينما امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بحملات واسعة تتهم الفيفا بالخضوع لضغوط سياسية، وتطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين قيادة الاتحاد الدولي والإدارة الأمريكية.


في المقابل، دافع بوتشيتينو وعدد من المسؤولين الأمريكيين عن القرار، معتبرين أن ما جرى يدخل ضمن صلاحيات المراجعة القانونية للوائح الانضباط، وليس استجابة لضغوط سياسية، إلا أن هذا التفسير لم ينجح في تهدئة موجة الانتقادات الدولية.


بطولة على وقع التجاذبات السياسية


جاءت هذه الأزمة في وقت تشهد فيه بطولة كأس العالم 2026 بالفعل حالة من التداخل بين الرياضة والسياسة، في ظل الجدل المصاحب لسياسات الهجرة والقيود المفروضة على دخول بعض الجماهير والبعثات الرياضية، الأمر الذي جعل البطولة محط اهتمام سياسي وإعلامي يتجاوز نتائج المباريات.


ويرى مراقبون أن قضية بالوجون أصبحت نموذجا واضحا لهذا التداخل، بعدما انتقلت من خلاف تحكيمي إلى قضية سياسية ودبلوماسية، أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول حدود نفوذ الحكومات في إدارة الرياضة العالمية، ومدى قدرة المؤسسات الرياضية على الحفاظ على استقلال قراراتها.
 

خسارة منتخب أمريكا لم تنه الجدل


ورغم السماح لبالوجون بالمشاركة، فإن المنتخب الأمريكي خسر أمام بلجيكا بنتيجة 4-1، ليغادر البطولة مبكرا، وهو ما جعل القرار محل جدل أكبر، إذ لم يحقق الهدف الرياضي المرجو، لكنه خلف أزمة مؤسسية وإعلامية واسعة.
 

وأعرب اللاعب عن امتنانه للدعم الذي تلقاه، فيما واصل إنفانتينو التأكيد أن لجنة الانضباط اتخذت قرارها بصورة مستقلة ووفقا للوائح، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار التشكيك في طبيعة الإجراءات التي اتخذت.
 

اختبار حقيقي لمصداقية الفيفا


تمثل هذه القضية أحد أصعب الاختبارات التي تواجه الفيفا منذ سنوات، لأنها تمس بصورة مباشرة ثقة الجماهير والاتحادات الوطنية في حيادية المؤسسة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ويرى عدد من المراقبين أن فتح الباب أمام تدخلات من هذا النوع قد يشجع مستقبلا على ممارسة ضغوط سياسية في قضايا رياضية أخرى، بما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص وعدالة المنافسة.