رغم تجاوز الصدمة.. الحرب الإيرانية تستنزف احتياطيات النفط العالمية
رغم أن الحرب الإيرانية تسببت في واحدة من أكبر الهزات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية خلال العقود الأخيرة، فإن الاقتصاد العالمي نجح، بصورة فاقت التوقعات، في تجنب أزمة نفطية شاملة كانت تهدد بإرباك سلاسل الإمداد، ورفع معدلات التضخم، وإبطاء النمو الاقتصادي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا النجاح لا يعني زوال المخاطر، إذ يرى خبراء الطاقة أن العالم استنزف جزءًا كبيرًا من احتياطياته الاستراتيجية، ما يجعله أكثر عرضة لأي اضطرابات جديدة في الإمدادات إذا عادت التوترات إلى منطقة الخليج، وفقًا لمجلة «أويل برايس» المتخصصة في شؤون الطاقة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «آراب ويكلي»، فإن الأسواق تمكنت من استيعاب فقدان أكثر من مليار برميل من الإمدادات منذ اندلاع الحرب، بينما تواصل الحكومات والشركات مراقبة التطورات في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة النفط في العالم.
أكبر اضطراب في تاريخ سوق الطاقة
أثارت الحرب مخاوف واسعة من انهيار إمدادات الطاقة العالمية، بعدما أدت الهجمات المتبادلة إلى اضطرابات غير مسبوقة في حركة النفط عبر الخليج.
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، بلغ حجم الإمدادات المفقودة في ذروة الأزمة نحو 14 مليون برميل يوميًا، وهو أكبر اضطراب يشهده سوق النفط الحديث.
ورغم ذلك، لم تتحقق السيناريوهات التي توقعت نقصًا حادًا في الوقود داخل أوروبا وآسيا، كما لم ترتفع الأسعار إلى المستويات القياسية التي شهدها العالم عام 2008، إذ بلغ خام برنت ذروته عند نحو 126 دولارًا للبرميل، قبل أن يتراجع تدريجيًا مع تحسن توقعات الأسواق.
ثلاثة عوامل جنبت العالم أزمة طاقة شاملة
ويرجع محللو «أويل برايس» صمود الأسواق إلى ثلاثة عوامل رئيسية. أولها نجاح السعودية والإمارات في استخدام مسارات بديلة لتصدير جزء من إنتاجهما بعيدًا عن المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر.
أما العامل الثاني، فتمثل في قيام الصين بخفض وارداتها مؤقتًا، والاعتماد بصورة أكبر على مخزوناتها الضخمة، إلى جانب توسعها في استخدام السيارات الكهربائية وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
وجاء العامل الثالث عبر السحب المكثف من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في عدد من الدول، بقيادة وكالة الطاقة الدولية، لتوفير كميات إضافية للأسواق ومنع حدوث نقص فعلي في الإمدادات.
هدوء الأسواق لا يعكس الواقع بالكامل
ورغم عودة أسعار النفط إلى مستويات أقل من تلك التي سجلتها في بداية الحرب، فإن خبراء الطاقة يحذرون من أن الأسواق ربما تبالغ في التفاؤل. فإصلاح الأضرار التي لحقت ببعض منشآت الطاقة في الخليج قد يستغرق سنوات.
كما أن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز لم تستعد كامل نشاطها، بينما لا تزال المفاوضات بين واشنطن وطهران تواجه عقبات بشأن القضايا الأمنية والبرنامج النووي الإيراني.
ويرى خبراء الطاقة أن أي تصعيد جديد أو تعطيل للملاحة في المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، خاصة في ظل تقلص الاحتياطيات التي استُخدمت لتخفيف آثار الأزمة الأخيرة.
مخزون أقل.. ومخاطر أكبر
ويتمثل التحدي الأكبر الآن في إعادة تكوين المخزونات الاستراتيجية التي استُنزفت خلال الحرب، وهي عملية تتطلب استثمارات ضخمة وتستغرق وقتًا طويلًا.
وتشير تقديرات البنك المركزي الأوروبي إلى ارتفاع توقعات أسعار النفط خلال عامي 2027 و2028 مقارنة بالتقديرات السابقة للحرب، بينما تُقدر تكلفة إعادة تكوين الاحتياطيات بأكثر من 70 مليار دولار، وفق الأسعار الحالية.
كما تشير التقديرات إلى أن كل زيادة قدرها 5 دولارات في سعر برميل النفط تضيف نحو 190 مليار دولار إلى فاتورة الاقتصاد العالمي سنويًا، وهو ما يعكس حساسية الأسواق لأي اضطراب جديد في الإمدادات.
ورجح تقرير «أويل برايس» أن العالم نجح بالفعل في تجاوز واحدة من أخطر أزمات الطاقة في تاريخه، لكنه خرج منها باحتياطيات أقل وهامش أمان أضيق، ما يجعل الحفاظ على استقرار منطقة الخليج وممرات الملاحة البحرية عاملًا حاسمًا لتجنب صدمات نفطية جديدة خلال السنوات المقبلة.





