الإثنين 06 يوليو 2026 الموافق 21 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

إسرائيل تتجه لمواجهة دستورية مع تحدي حكومة الاحتلال لقرار المحكمة بشأن هيئة تنظيم الإعلام

الرئيس نيوز

تواجه إسرائيل واحدة من أخطر أزماتها السياسية والقانونية منذ عقود، بعدما صوت مجلس وزراء الاحتلال بالإجماع على رفض الامتثال لحكم صادر عن المحكمة العليا يتعلق بـ"الهيئة الثانية للتلفزيون والإذاعة"، الجهة المسؤولة عن تنظيم قطاع البث التجاري. ويصف مراقبون غربيون هذه الخطوة بأنها أول تحد مباشر من حكومة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لحكم صادر عن أعلى سلطة قضائية، وهو تطور يثير مخاوف من دخول إسرائيل في مواجهة دستورية مفتوحة قد تمتد آثارها إلى النظام السياسي والإعلامي والانتخابات المقبلة، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز.

من خلاف قانوني إلى أزمة دستورية

 

بدأت الأزمة عندما فقد مجلس الهيئة الثانية للتلفزيون والإذاعة عددا من أعضائه، ليصبح دون الحد الأدنى الذي يشترطه القانون لاتخاذ القرارات. واعتبرت الحكومة أن المجلس لم يعد يملك صلاحية اعتماد التعيينات أو إصدار القرارات التنظيمية، بينما رأت المحكمة العليا أن تعطيل الهيئة سيشل قطاع الإعلام، فأصدرت في 17 يونيو حكما يقضي باستمرارها في أداء مهامها إلى حين معالجة النقص في العضوية.

لكن مجلس وزراء الاحتلال رفض الحكم بصورة جماعية، معتبرا أن المحكمة تجاوزت حدود صلاحياتها وتدخلت في اختصاصات السلطة التنفيذية، وهو ما نقل الخلاف من نزاع قانوني إلى مواجهة مباشرة بين السلطتين التنفيذية والقضائية.

 

قرار بالإجماع ورسالة غير مسبوقة

لم يكتف مجلس الوزراء برفض الحكم، بل أعلن بالإجماع أنه لن يعترف بأي قرارات تصدر عن الهيئة التنظيمية استنادا إلى قرار المحكمة العليا. وجاء في القرار أن المحكمة "لا تملك صلاحية تجاوز القانون"، وأن الحكومة ستستخدم "جميع الوسائل القانونية المتاحة" لإبطال الحكم في المستقبل.

وأضاف القرار أن أي إجراءات أو قرارات تصدر عن الهيئة بموجب هذا الحكم "تعد باطلة ولاغية"، في تصعيد غير مسبوق يعكس حجم التوتر بين الحكومة والجهاز القضائي.

ويرى خبراء قانونيون أن هذه هي المرة الأولى التي ترفض فيها حكومة إسرائيلية بصورة رسمية تنفيذ حكم للمحكمة العليا، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات حول الجهة التي تمتلك الكلمة الأخيرة في تفسير القانون، وفقا لصحيفة آراب ويكلي اللندنية.

الحكومة: المحكمة ليست برلمانا

وقاد وزير الاتصالات شلومو كرعي ووزير العدل ياريف ليفين حملة التصعيد ضد المحكمة، مؤكدين أن القضاة لا يملكون سلطة تعديل القوانين التي أقرها الكنيست. وقال كرعي إن المحكمة "ليست برلمانا"، وإن أي قرارات قد تصدرها هيئة تنظيم الإعلام مستقبلا "لن تكون لها أي قيمة". أما ليفين، أحد أبرز مهندسي مشروع الإصلاح القضائي، فأكد أن المحكمة مطالبة بتطبيق القوانين التي يسنها البرلمان، وليس إعادة صياغتها أو تجاوزها.

وفي المقابل، حاول سكرتير الحكومة يوسي فوكس تخفيف حدة الأزمة، موضحا أن الحكومة لا تدعو إلى عصيان القضاء، وإنما تمارس حقها في استخدام الأدوات القانونية لإلغاء الحكم مستقبلا، معتبرا أن انتقاد المحكمة لا يعني رفض النظام القضائي برمته.

المعارضة: أخطر أزمة في تاريخ إسرائيل

 

قوبل القرار الحكومي بانتقادات حادة من المعارضة، التي اعتبرت أن إسرائيل دخلت بالفعل مرحلة أزمة دستورية. ووصف زعيم المعارضة يائير لابيد ما جرى بأنه "أخطر أزمة دستورية في تاريخ إسرائيل"، متهما الحكومة بتقويض أسس الديمقراطية وتحويل نفسها إلى سلطة فوق القانون.

كما حذر رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت من أن تجاهل أحكام القضاء سيقود إلى "الفوضى في الشوارع وتفكك الدولة"، بينما قال غادي آيزنكوت، الذي تشير استطلاعات الرأي إلى تقدمه في سباق تشكيل الحكومة المقبلة، إن حكومة نتنياهو "ترفع يدها على الديمقراطية الإسرائيلية" وتعمق الانقسام داخل المجتمع.

أما الرئيس إسحق هرتسوج فوجه رسالة واضحة، مؤكدا أن عدم الامتثال لأحكام المحكمة العليا يمثل "خطا أحمر لا يجوز تجاوزه تحت أي ظرف"، لأنه يهدد وحدة الدولة وسيادة القانون.

الإعلام في قلب المعركة

ورغم أن الخلاف يدور ظاهريا حول النصاب القانوني لهيئة تنظيم الإعلام، فإن تداعياته تمتد إلى مستقبل وسائل الإعلام الإسرائيلية. فالهيئة مطالبة باتخاذ قرارات مؤثرة، من بينها الموافقة على صفقة بيع القناة 13، إحدى أكبر القنوات التجارية وأكثرها انتقادا لنتنياهو، إلى مجموعة من رجال الأعمال العاملين في قطاع التكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه، قد تؤثر الأزمة في استمرار تصنيف القناة 14، المؤيدة للحكومة، باعتبارها "قناة صغيرة"، وهو تصنيف يمنحها مزايا تنظيمية وإعفاءات لا تحصل عليها القنوات المنافسة.

ولهذا يرى الخبراء أن المعركة الحالية لا تتعلق فقط بصلاحيات المحكمة، وإنما أيضا بمستقبل المشهد الإعلامي الإسرائيلي والتوازن بين المؤسسات الإعلامية المختلفة.

عودة شبح الإصلاح القضائي

تعيد الأزمة الحالية إلى الأذهان مشروع الإصلاح القضائي الذي طرحته حكومة نتنياهو عقب انتخابات 2022، والذي استهدف تقليص صلاحيات المحكمة العليا ومنح الحكومة نفوذا أكبر على السلطة القضائية.

وأثار المشروع آنذاك احتجاجات غير مسبوقة داخل إسرائيل وانتقادات واسعة من الولايات المتحدة ودول أوروبية، قبل أن يتراجع زخمه بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، إلا أن عددا من بنوده عاد تدريجيا إلى الواجهة خلال العامين الماضيين.

ويرى محللون أن المواجهة الحالية تمثل امتدادا لذلك الصراع، لكنها أكثر حساسية، لأنها لا تدور حول مشروع قانون جديد، بل حول رفض تنفيذ حكم قضائي نافذ.

انتخابات مرتقبة تزيد المشهد تعقيدا

وتكتسب الأزمة بعدا سياسيا إضافيا مع اقتراب موعد الانتخابات العامة، التي تشير التقديرات إلى احتمال إجرائها خلال سبتمبر أو أكتوبر المقبلين.