السعودية تسعى لكسب دعم مصر مع زعزعة هجمات الحوثيين لخطوط النفط
تكثف الرياض جهودها بحثا عن مخرج من كماشة مضيقي هرمز وباب المندب، فوفقا لصحيفة واشنطن بوست، لم تكن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في هذا التوقيت منفصلة عن التطورات المتسارعة في البحر الأحمر، بعدما تحولت الهجمات الحوثية إلى عامل ضغط مباشر على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة السعودية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتراجع قدرة الناقلات على استخدام المسارات التقليدية عبر باب المندب.
وخلال لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وبن سلمان في القاهرة، تصدر أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب جدول المباحثات، في وقت تواجه فيه السعودية تهديدات متزامنة تطال منشآت الطاقة وخطوط نقل النفط، بينما تتسع أهمية مصر باعتبارها بوابة رئيسية تربط البحر الأحمر بالمتوسط. وأكد الجانبان أهمية حرية الملاحة وأمنها، مع تأكيد القاهرة دعم أمن واستقرار السعودية.
خط شرق-غرب في دائرة الخطر
يتمثل أحد أبرز مصادر القلق السعودي في خط أنابيب شرق-غرب، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وصمم الخط في الأساس لمنح السعودية منفذا لتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز، لكنه تعرض لهجوم بطائرات مسيرة أدى إلى خروجه من الخدمة مؤقتا.
وتبلغ الطاقة التشغيلية للخط بين نحو 2.6 و4 ملايين برميل يوميا، ما يجعله مسارا مهما في منظومة تصدير النفط السعودية. وبحسب تقارير أمريكية، قد تستغرق أعمال الإصلاح أسابيع، وهو ما يزيد حساسية الرياض تجاه أي اضطراب إضافي في طرق التصدير البحرية، وفق أسوشيتد برس.
الحوثيون يقتربون من باب المندب
التطور الآخر الذي يرفع مستوى القلق السعودي هو توسع الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وسيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب، بينها جزيرة ميون المعروفة أيضا باسم بريم.
وتمنح الجزيرة موقعا مهما داخل المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ومع تقدم الحوثيين في مناطق ساحلية وجزر قريبة، أصبحت حركة السفن والناقلات أمام حسابات أمنية أكثر تعقيدا، خصوصا أن البحر الأحمر يمثل ممرا حيويا للتجارة العالمية ونقل الطاقة.
وتشير أحدث التقارير إلى أن حركة الشحن عبر البحر الأحمر تراجعت بنحو 60% منذ أواخر 2023، بعدما دفعت الهجمات المتكررة شركات النقل إلى تغيير مساراتها أو اتخاذ إجراءات أمنية إضافية، وفقا لمنصة لويد إنتلجنس العالمية المتخصصة في شؤون الشحن البحري.
سوميد.. الورقة المصرية في حسابات الطاقة
هنا تظهر أهمية مصر بصورة تتجاوز قناة السويس وحدها. فخط أنابيب سوميد يمثل جزءا رئيسيا من البنية التحتية التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويتيح نقل النفط الخام من ميناء العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على ساحل المتوسط، بما يوفر مسارا بديلا لنقل الخام الذي يصل بحرا إلى مصر عبر البحر الأحمر.
ويكتسب سوميد أهمية أكبر عندما تتعرض الملاحة في البحر الأحمر للاضطراب، لأنها تمنح قطاع الطاقة مسارا بريا لتجاوز جزء من المخاطر البحرية. كما ترتبط بها منظومة تخزين ومرافق نفطية تجعلها عنصرا مهما في حركة الخام بين الأسواق الآسيوية والأوروبية. وبذلك تصبح القاهرة حاضرة في الحسابات السعودية من زاويتين متكاملتين: قناة السويس بالنسبة للتجارة والملاحة، وسوميد بالنسبة إلى حركة النفط والطاقة.
الرياض لا تريد أزمة جديدة
بالنسبة للسعودية، لا تتوقف المشكلة عند استهداف ناقلة أو منشأة نفطية منفردة، وإنما تتعلق باحتمال تداخل أكثر من نقطة ضعف في وقت واحد: هجمات على منشآت الطاقة، تعطيل خط شرق-غرب، تهديد الملاحة قرب باب المندب، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وتتعامل الرياض مع هذه التطورات باعتبارها قضية أمن قومي واقتصادي في آن واحد، بينما تسعى إلى منع انتقال التوتر إلى مساحات أوسع في المنطقة. وفي هذا السياق، يأتي التواصل المباشر مع القاهرة في ظل امتلاك مصر أدوات جغرافية ولوجستية تجعلها طرفا مؤثرا في أمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة.
القاهرة والرياض أمام معادلة واحدة
وأشارت واشنطن بوست إلى أن أمن البحر الأحمر ليس قضية سعودية منفردة ولا مصرية منفردة. فاضطراب باب المندب ينعكس على قناة السويس، وأي تراجع في حركة السفن يضغط على حركة التجارة الدولية وعلى الإيرادات المرتبطة بالممر الملاحي، بينما يؤدي اضطراب مسارات النفط إلى إعادة رسم حسابات المنتجين والمستهلكين وشركات النقل.
ومن هنا تبدو زيارة بن سلمان للقاهرة مرتبطة بمعادلة إقليمية أوسع: السعودية تبحث عن حماية طرق الطاقة والتصدير، ومصر معنية بالحفاظ على أمن الملاحة واستقرار حركة السفن، فيما يظل باب المندب نقطة الاختناق التي يمكن أن تؤثر في الطرفين معا.
وتعكس المشاورات المصرية السعودية في هذا التوقيت كيف تحول البحر الأحمر إلى ملف يجمع الأمن والطاقة والتجارة في مسار واحد، وأن تأمين هذا الممر بات يتطلب تنسيقا إقليميا يتجاوز حدود المواجهات العسكرية المباشرة.





