باب المندب بين الحوثيين وواشنطن.. هل تفتح السيطرة على ميون جبهة جديدة في الصراع الإقليمي؟
دخلت المواجهة في اليمن مرحلة شديدة الخطورة، بعدما وصل الحوثيون المدعومون من إيران إلى جزيرة بريم، المعروفة باسم ميون، في قلب مضيق باب المندب، بالتزامن مع سيطرتهم على مدينة ذباب الساحلية.
ويمنح هذا التقدم الجماعة موطئ قدم عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لكنه في الوقت نفسه يضع قواتها في موقع مكشوف أمام قوة عسكرية أمريكية متفوقة، بحسب تحذير مسؤول دفاعي أمريكي سابق.
ووفقًا لما أوردته صحيفة الإندبندنت، أكدت أربعة مصادر حكومية يمنية وصول الحوثيين إلى ميون في 11 سبتمبر، عقب انسحاب القوات الحكومية منها، بالتزامن مع سيطرتهم على ذباب المطلة على الجزيرة. واعتبر معهد دراسة الحرب أن هذه التطورات تقرب الحوثيين من القدرة على تهديد حركة الملاحة بصورة مباشرة، كما تمنحهم مواقع أقرب بكثير إلى خطوط السفن من تلك التي استخدموها خلال حملتهم السابقة ضد الشحن الدولي.
ميون.. موقع استراتيجي في قلب باب المندب
تكتسب جزيرة ميون أهمية استثنائية بسبب موقعها الجغرافي، إذ تقع الجزيرة البركانية في منتصف مضيق باب المندب، الذي يضيق في المنطقة التي تقطعها الجزيرة إلى نحو 18 ميلًا.
ووصف مورجان مورفي، النقيب البحري الأمريكي المتقاعد والمتحدث السابق باسم البنتاجون، السيطرة على الجزيرة بأنها تمنح الحوثيين ما يشبه "سدادة زجاجة البحر الأحمر"، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الجماعة وضعت قواتها داخل ما يمكن وصفه عسكريًا بـ"منطقة قتل".
وتتميز ميون بطبيعتها الجرداء والمكشوفة، مع محدودية مصادر المياه وغياب الغطاء النباتي الذي يمكن أن يوفر حماية للقوات المنتشرة عليها. كما تقع الجزيرة على مسافة تقارب 20 ميلًا من القرن الأفريقي، وبالقرب من معسكر ليمونييه في جيبوتي، الذي يعد من أبرز مراكز الوجود العسكري الأمريكي في أفريقيا.
وتظهر صور الأقمار الصناعية وجود مدرج يبلغ طوله نحو 1.85 كيلومتر، إلى جانب ثلاثة حظائر عسكرية، فيما تنسب تقارير إقليمية إنشاء هذه المنشآت إلى الإمارات.
الوجود الحوثي في ميون بين المكسب الاستراتيجي والخطر العسكري
رغم أهمية المدرج والمنشآت الموجودة في الجزيرة، يرى مورفي أن امتلاك هذه البنية التحتية لا يعني امتلاك الحوثيين قدرة جوية حقيقية، في ظل عدم امتلاك الجماعة طائرات أو منظومات متطورة تمكنها من استثمار الموقع في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
وعلى الجانب الآخر، فإن تركيز القوات في جزيرة صغيرة ومكشوفة قد يحول المكسب الجغرافي إلى نقطة ضعف عسكرية، خاصة إذا صدر قرار أمريكي باستهدافها.
وتنسجم هذه القراءة مع تقييم معهد دراسات الحرب، الذي أشار إلى أن المواقع الجديدة للحوثيين على ساحل البحر الأحمر وفي ميون يمكن أن تمنحهم قدرة أكبر على استخدام المدفعية والطائرات المسيرة التكتيكية ضد السفن.
وأشار المعهد إلى أن بعض المدفعية الحوثية يصل مداها إلى 17 كيلومترًا، وهو ما يعني أن المواقع الجديدة أصبحت أقرب بدرجة كبيرة إلى خطوط الملاحة الدولية، بما يزيد قدرة الجماعة على تهديد السفن إذا تمكنت من تثبيت وجودها وإمداد قواتها.
تقدم الحوثيين يقترب من خطوط الملاحة الدولية
يمثل انتقال الحوثيين إلى ميون وذباب تطورًا مهمًا في طبيعة التهديد الذي يمكن أن تتعرض له حركة الملاحة في باب المندب.
فالموقع الجديد لا يقتصر على كونه نقطة عسكرية، وإنما يتيح للجماعة الاقتراب من واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وهو ما يرفع حساسية أي تحرك عسكري في المنطقة.
ومن هنا، فإن استمرار الوجود الحوثي في هذه المواقع قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر، خصوصًا إذا جرى استخدام المواقع الساحلية والجزيرة في عمليات تستهدف السفن أو تهدد سلامة الملاحة.
السعودية تضغط وترامب يتريث في التدخل العسكري
جاء التقدم الحوثي في الوقت الذي تضغط فيه السعودية على واشنطن للتحرك ضد الجماعة.
وبحسب رويترز، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 10 سبتمبر، وحثه خلالهما على شن ضربات ضد الحوثيين. إلا أن ترامب رفض الطلب، فيما قال مسؤولون أمريكيون إن الإدارة الأمريكية لا تعتزم في الوقت الحالي تنفيذ عمل عسكري مباشر ضد الجماعة.
وفي المقابل، تتجه واشنطن إلى زيادة الدعم المقدم للسعودية، إلى جانب توفير معلومات استخباراتية وبيانات استهداف.
كما زار قائد القيادة المركزية الأمريكية الأميرال براد كوبر السعودية لإجراء محادثات عاجلة، في وقت أبلغ فيه مسؤولون أمريكيون نظراءهم السعوديين بأن توجيهات ترامب تركز بصورة أساسية على إيران وحماية مضيق هرمز، مع تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن.
إيران في خلفية المشهد.. وباب المندب يتحول إلى ورقة ضغط
تضيف العلاقة بين الحوثيين وإيران بعدًا أكثر خطورة إلى التطورات الأخيرة. فقد نقلت رويترز أن تقدم الحوثيين استفاد من أسلحة ومشورة إيرانية، فيما يرى محللون أن السيطرة على مواقع قريبة من باب المندب يمكن أن تمنح طهران ورقة ضغط إضافية في صراعها مع واشنطن.
وتزداد أهمية هذه الورقة في ظل المخاطر التي تحيط بحركة النفط والشحن في مضيق هرمز، إذ إن وجود تهديدات متزامنة في هرمز وباب المندب يمكن أن يزيد الضغوط على حركة التجارة والطاقة العالمية.
ويحذر معهد دراسات الحرب من أن إحكام الحوثيين قبضتهم على باب المندب قد يمنح الجماعة نفوذًا كبيرًا على أحد الممرات الحيوية للتجارة والطاقة، خاصة أن الطبيعة الجغرافية الضيقة للمضيق تجعل إيجاد مسار بديل مماثل أكثر صعوبة.
هل تتحول ميون إلى نقطة اشتعال إقليمية؟
المفارقة الأساسية في التطورات الأخيرة أن المكسب الجغرافي الذي حققه الحوثيون قد يتحول في الوقت نفسه إلى أكبر نقاط ضعفهم.
فمن ناحية، تمنح ميون الجماعة موقعًا استراتيجيًا يمكنها من الاقتراب من حركة الملاحة ومراقبة الممر البحري، ومن ناحية أخرى، تجعل طبيعة الجزيرة المكشوفة قواتها عرضة للاستهداف إذا قررت الولايات المتحدة أو أي قوة عسكرية أخرى توجيه ضربات إليها.
وهذا الوضع يجعل ميون نقطة شديدة الحساسية في الحسابات العسكرية، خاصة مع قربها من منشآت عسكرية أمريكية في جيبوتي وارتباطها المباشر بأمن الملاحة في البحر الأحمر.
واشنطن أمام معادلة صعبة
حتى الآن، تفضل الولايات المتحدة دعم شركائها وتجنب الانخراط في جبهة يمنية مباشرة، لكن استمرار تهديد الملاحة الدولية أو انتقال تداعيات التصعيد إلى أسواق النفط والطاقة قد يدفع واشنطن إلى إعادة حساباتها.
وبذلك أصبحت ميون نقطة التقاء بين الصراع اليمني والتوتر الأمريكي الإيراني وأمن البحر الأحمر والطاقة العالمية.
وفي حال تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم العسكري في الجزيرة والساحل القريب منها، فإن قدرتهم على تهديد الملاحة قد تتزايد. أما إذا قررت واشنطن أن حماية خطوط التجارة والطاقة تتطلب تدخلًا مباشرًا، فقد تتحول الجزيرة نفسها من مكسب استراتيجي للحوثيين إلى واحدة من أخطر نقاط الضعف العسكرية أمامهم.