الإثنين 14 سبتمبر 2026 الموافق 03 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

من باب المندب إلى مضيق هرمز.. لماذا أصبحت تكلفة نقل النفط أخطر من نقص الإمدادات؟

الرئيس نيوز

لم تعد تداعيات التوترات العسكرية في البحر الأحمر تقتصر على حركة السفن أو تأخير شحنات التجارة العالمية، بعدما انتقلت الضغوط بصورة مباشرة إلى سوق النفط، الذي أصبح من أكثر القطاعات تعرضًا لتداعيات اضطراب الممرات البحرية الحيوية، بالتزامن مع تصاعد المخاطر حول مضيق باب المندب واستمرار التوترات في مضيق هرمز.

ومع ارتفاع أسعار الخام وتزايد تكاليف التأمين والشحن، تواجه الدول المستوردة للطاقة احتمالًا متزايدًا لارتفاع فاتورة وارداتها، حتى في الحالات التي لا تتعرض فيها الإمدادات الفعلية لانقطاع كامل، وفقًا لمجموعة إس آند بي جلوبال.

وتأتي هذه التطورات في وقت ارتفع فيه سعر خام برنت إلى أكثر من 107 دولارات للبرميل، بعدما سجل مكاسب قوية خلال الأيام الماضية، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط مستوى 102 دولار، وسط تصاعد المخاوف بشأن سلامة تدفقات النفط في المنطقة.

وقالت رويترز إن هجمات الحوثيين والاضطرابات حول باب المندب، إلى جانب الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة السعودية، دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع، كما أدت إلى قفزة في أسعار ناقلات النفط مع تزايد صعوبة تأمين طرق آمنة لنقل الخام.

باب المندب يتحول إلى عقدة جديدة في سوق النفط

تزداد خطورة التطورات في البحر الأحمر، لأن باب المندب يمثل حلقة أساسية في حركة النفط بين منتجي الشرق الأوسط والأسواق الآسيوية والأوروبية، كما يمثل أحد المسارات المهمة أمام الشحنات التي تواجه مخاطر في مضيق هرمز.

وتشير تقديرات نقلتها الجزيرة عن شركة كبلر إلى أن نحو 6 ملايين برميل من الخام يوميًا كانت تمر عبر باب المندب باتجاه آسيا، بينها كميات كبيرة من النفط السعودي، وهو ما يجعل استمرار الاضطرابات في المضيق قادرًا على رفع تكاليف النقل وتقليص كفاءة شبكة الإمدادات العالمية.

ولا يعني ارتفاع المخاطر البحرية بالضرورة توقف تدفق النفط بصورة فورية، لكنه يرفع تكلفة كل برميل يصل إلى المستهلك، إذ تضطر السفن إلى تغيير مساراتها أو انتظار تحسن الظروف الأمنية، بينما ترتفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب وتكاليف الوقود وأجور الناقلات.

وأوضحت وكالة إس آند بي جلوبال أن إعادة توجيه النفط السعودي بعيدًا عن المسارات المهددة أدت إلى زيادة الطلب على الناقلات، في وقت أصبح فيه عدد السفن المتاحة غرب قناة السويس محدودًا، ما يضغط بدوره على أسعار الشحن.

فاتورة استيراد النفط تحت ضغط مزدوج

تظهر الهند كواحدة من أكثر الدول تعرضًا لهذا الضغط، باعتبارها من أكبر مستوردي النفط في العالم واعتمادها الكبير على الخام القادم من الشرق الأوسط.

وكانت أسعار الشحن لنقل النفط السعودي إلى آسيا قد تعرضت بالفعل لزيادات حادة بعد اضطراب حركة السفن في البحر الأحمر، بينما تشير تقديرات إلى أن استمرار إعادة توجيه الناقلات حول رأس الرجاء الصالح يمكن أن يضيف مليارات الدولارات إلى فاتورة استيراد النفط.

وتزداد المشكلة تعقيدًا مع ارتفاع سعر الخام نفسه، لأن الدولة المستوردة تتحمل في هذه الحالة تأثيرين متزامنين؛ الأول يتمثل في ارتفاع قيمة السلعة الأساسية، والثاني في زيادة تكلفة نقلها وتأمينها.

وأشارت تقارير اقتصادية هندية إلى أن واردات النفط الخام الهندية بلغت نحو 49.8 مليار دولار خلال الربع الأول من السنة المالية 2026-2027، بزيادة 60% على أساس سنوي، ما يوضح حجم الحساسية التي يمثلها أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة أو تكاليف الشحن.

اضطرابات البحر الأحمر تضغط على الاقتصادات الآسيوية

لا تقتصر التداعيات على الهند، إذ تواجه الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة ضغوطًا مماثلة، خصوصًا مع تزامن اضطرابات البحر الأحمر مع القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق هرمز.

وحذرت رويترز من أن المصافي الآسيوية تستعد لتراجع إمدادات بعض أنواع الخام السعودي، بعدما أدى توقف خط الأنابيب السعودي شرق-غرب عقب الهجمات الأخيرة إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن الشحنات القادمة من ميناء ينبع على البحر الأحمر.

كما ارتفعت أسعار نقل النفط بالناقلات بين الخليج وآسيا إلى مستويات قياسية، في وقت أوقفت فيه الصين شراء الخام القادم عبر البحر الأحمر منذ أغسطس.

وتعكس هذه التطورات مدى حساسية الأسواق الآسيوية لأي اضطراب في طرق نقل الطاقة، خاصة أن الاقتصادات الكبرى في المنطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات النفط من الشرق الأوسط.

البحر الأحمر يرفع تكلفة النفط والنقل والطاقة

تتجاوز آثار الأزمة سوق النفط الخام إلى المنتجات البترولية والغاز الطبيعي وسلاسل الإمداد بأكملها. فكلما طال مسار السفينة، زاد استهلاك الوقود وارتفعت أجور الطواقم وتكاليف التأمين، بينما تضطر الشركات إلى الاحتفاظ بالمخزونات لفترات أطول تحسبًا لتأخر الشحنات.

وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى انتقال جزء من الزيادة إلى أسعار الوقود والنقل والكهرباء والسلع الصناعية والغذائية، بما يجعل اضطرابات الممرات البحرية قضية تتجاوز قطاع الطاقة لتصل إلى تكلفة المعيشة والأسعار في الأسواق العالمية.

وتكمن المشكلة في أن ارتفاع تكلفة النفط لا يرتبط فقط بسعر البرميل في الأسواق، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بتكلفة الوصول إلى البرميل ونقله وتأمينه، وهو ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الدول والشركات المستوردة.

قناة السويس أمام تداعيات اضطرابات البحر الأحمر

بالنسبة لمصر، تكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بسبب الموقع المحوري لقناة السويس في حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر مؤثرًا في حركة السفن وتكاليف النقل.

كما يمكن أن تنعكس تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة والشحن على تكلفة بعض الواردات المرتبطة بالنفط والغاز والمواد الخام، خصوصًا إذا استمرت المخاطر الأمنية لفترة طويلة وأصبحت الشركات تعتمد على مسارات بحرية أطول وأكثر تكلفة.

ومن ثم، لا يتعلق تأثير الأزمة فقط بحركة السفن العابرة لقناة السويس، وإنما يمتد إلى المعادلة الأوسع الخاصة بتكاليف التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

هرمز وباب المندب يضغطان على سوق النفط

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في فقدان كمية محددة من النفط، وإنما في تحول الطرق البحرية إلى عنصر دائم في تسعير الخام.

ومع تزايد المخاطر حول مضيق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، يصبح النفط المتاح عبر طرق آمنة أكثر تكلفة من النفط الموجود في مناطق يصعب الوصول إليها، وهو ما بدأت الأسواق بالفعل في تسعيره.

وتعني هذه المعادلة أن استمرار التوترات البحرية قد يفرض علاوة مخاطر إضافية على أسعار النفط، حتى إذا لم يحدث نقص فعلي كبير في الإمدادات العالمية، لأن الأسواق تضع في حساباتها احتمالات التأخير وارتفاع التأمين وتكاليف الشحن وإعادة توجيه الناقلات.

وبذلك تتحول الممرات البحرية من مجرد طرق لنقل النفط إلى عامل مباشر في تحديد سعره، بينما يصبح استمرار التوتر في البحر الأحمر ومضيق هرمز أحد أهم المتغيرات التي تراقبها الأسواق لتحديد اتجاه أسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة.