رسوم التقاضي عن بُعد أمام اختبار الدستور.. أين تنتهي سلطة الإدارة ويبدأ حق المواطن في الدفاع؟
أثارت الرسوم المفروضة على خدمات التقاضي عن بُعد تساؤلات برلمانية وقانونية بشأن مدى استنادها إلى القانون، وتأثيرها على حق المواطنين في التقاضي والدفاع، بالتزامن مع تقدم النائبين ياسر الهضيبي وبسام الصواف بسؤالين برلمانيين حول الأساس القانوني لهذه الرسوم وضمانات تطبيق منظومة التقاضي عن بُعد.
كما حذرت المحامية فاطمة الزهراء من أن ارتفاع تكاليف التقاضي والخدمات المرتبطة به قد يمثل عبئًا على الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، ويؤثر على قدرتها على الوصول إلى العدالة والحصول على حقوقها.
ياسر الهضيبي يسأل عن الأساس القانوني لرسوم التقاضي عن بُعد
تقدم الدكتور ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بسؤال برلماني إلى المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، موجه إلى وزير العدل، بشأن ضمانات تطبيق منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد، والأساس القانوني للرسوم المفروضة على خدماتها، ومدى جاهزية البنية التحتية اللازمة لتطبيق المنظومة بالتزامن مع بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد.
وأكد الهضيبي أن التوسع في تطبيق منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد يأتي في إطار توجه الدولة نحو التحول الرقمي وتطوير منظومة العدالة، بما يستهدف تسريع إجراءات التقاضي وتيسير وصول المتقاضين إلى الخدمات القضائية ورفع كفاءة مرفق العدالة.
وأوضح أن تشغيل منصة الخدمات الرقمية للمحامين يفرض عددًا من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابات واضحة، خاصة ما يتعلق بالرسوم المالية المفروضة على بعض الخدمات الرقمية.
رسوم خدمات التقاضي عن بُعد تثير تساؤلات برلمانية
وأشار وكيل لجنة حقوق الإنسان إلى أن الرسوم المفروضة على الخدمات الرقمية تشمل 500 جنيه كرسوم اشتراك سنوي للمحامي، و500 جنيه لحضور جلسة جناية عن بُعد، و300 جنيه لجلسة الجنح أو الاستئناف، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس، إلى جانب 10 جنيهات لتصوير الورقة، و2500 جنيه مقابل باقة تضم 500 رسالة نصية.
وشدد الهضيبي على ضرورة تحديد السند التشريعي الذي استندت إليه وزارة العدل في فرض هذه الرسوم، في ظل التساؤلات حول صدور قانون من السلطة المختصة بالتشريع يقرر هذه الأعباء.
كما تساءل عن مدى اتساق هذه الرسوم مع الضمانات الدستورية المرتبطة بحق التقاضي وحق الدفاع، وعدم تحميل المواطنين أعباء مالية قد تؤثر على قدرتهم على الوصول إلى العدالة ومباشرة حقوقهم القانونية.
مخاوف من تأثير الرسوم على حق الدفاع
ولفت الهضيبي إلى أن التحول الرقمي في منظومة العدالة يجب ألا يؤدي إلى زيادة تكلفة ممارسة حق الدفاع، مطالبًا بالكشف عما إذا كانت وزارة العدل قد أجرت دراسة لقياس الأثر المالي لهذه الرسوم على المحامين والمتقاضين، خاصة غير القادرين.
كما تساءل عن وجود آليات للإعفاء أو التخفيض تحول دون أن تصبح تكلفة الخدمات الرقمية عائقًا أمام مباشرة الحقوق والإجراءات القانونية.
تساؤلات حول جاهزية البنية التحتية للتقاضي عن بُعد
وفي جانب آخر، أثار الهضيبي ملف الجاهزية التقنية لمنظومة التقاضي عن بُعد، متسائلًا عن مدى استعداد البنية التحتية الرقمية وشبكات الاتصال داخل المحاكم للتطبيق المنتظم للمنظومة.
كما تساءل عن الإجراءات التي سيتم اتخاذها حال انقطاع الإنترنت أو تعطل المنصة، بما قد يحول دون حضور المتهم أو محاميه أو إتمام إجراء قضائي في الموعد المحدد.
وأكد أن الأمر لا يتعلق فقط بالكفاءة التقنية للمنصة، وإنما يرتبط مباشرة بضمانات العدالة الجنائية، خاصة أن أي خلل تقني أثناء إجراءات المحاكمة قد يؤثر على حقوق المتهم وسلامة الإجراءات.
ضمانات سرية التواصل بين المتهم ومحاميه
وطالب وكيل لجنة حقوق الإنسان بالكشف عن الضمانات التي وضعتها وزارة العدل لحماية حق الدفاع خلال جلسات التقاضي عن بُعد، وفي مقدمتها ضمان سرية التواصل بين المتهم ومحاميه، وسلامة إثبات الحضور، وحماية البيانات والتسجيلات، والتأكد من عدم تأثير أي عطل تقني على صحة الإجراءات الجنائية.
وشدد الهضيبي على أن نجاح التحول الرقمي في العدالة لا يقاس بمجرد إطلاق منصة إلكترونية، وإنما بقدرتها على تيسير الوصول إلى العدالة وتطوير إجراءاتها، دون أن تتحول التكنولوجيا أو تكلفتها أو أعطالها إلى عائق أمام حق المواطنين في التقاضي وحق المتهم في الدفاع.
بسام الصواف يسأل عن التوسع في الرسوم القضائية
كما تقدم النائب بسام الصواف، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني إلى رئيس مجلس النواب، موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل، بشأن التوسع في الرسوم القضائية ورسوم التقاضي عن بُعد وتأثيرها على الحق في التقاضي والدفاع.
وأوضح الصواف أن منظومة العدالة شهدت خلال الفترة الأخيرة توسعًا في فرض الرسوم والمقابلات المالية المرتبطة بإجراءات التقاضي واستخراج المستندات والصور وتنفيذ الأحكام، وصولًا إلى استحداث رسوم على خدمات التقاضي عن بُعد.
وأشار إلى أن ذلك يثير تساؤلات حول الحدود القانونية والدستورية لفرض هذه الأعباء، ومدى تأثيرها على قدرة المواطن على الوصول إلى القضاء ومباشرة حقوقه والدفاع عنها.
زيادات في رسوم الخدمات القضائية
وأشار النائب إلى أنه خلال مارس 2025 صدرت قرارات تنظيمية عن جهات إدارة المحاكم تضمنت استحداث ورفع المقابل المالي لعدد كبير من الخدمات القضائية المرتبطة بإجراءات التقاضي، شملت نحو 33 خدمة، من بينها قيد الدعاوى، واستخراج صور الأحكام، وشهادات الجدول، ومراجعة ملفات القضايا، ونسخ الحوافظ، والإعلان والتنفيذ، والخدمات المميكنة.
ولفت إلى أن بعض الزيادات وصلت، بحسب ما أورده في سؤاله البرلماني، إلى نسب تتراوح بين 200% و500%، لترتفع تكلفة بعض الإجراءات من عشرات الجنيهات إلى مئات الجنيهات.
وأضاف أن تكلفة الدعوى الواحدة، من بدايتها وحتى تنفيذ الحكم، قد تصل إلى آلاف الجنيهات، بخلاف أتعاب المحاماة والانتقالات.
رسوم تصوير المستندات القضائية
وتطرق الصواف إلى رسوم تصوير المستندات القضائية، موضحًا أن تكلفة تصوير الورقة الرسمية في بعض الملفات الجنائية تصل إلى 40 جنيهًا للورقة الأولى و35 جنيهًا لما يليها.
وأشار إلى أن تصوير ملف مكون من ألف ورقة قد يتجاوز 35 ألف جنيه، فضلًا عن مقابل التصوير الضوئي الذي قد يصل إلى نحو 5 آلاف جنيه للملف ذاته، إلى جانب رسوم تقديم الحوافظ والمستندات.
رسوم جديدة في منظومة التقاضي عن بُعد
وأوضح النائب أن الأمر امتد كذلك إلى منظومة التقاضي عن بُعد، حيث تم الإعلان عن رسوم تفرض على المحامين نظير حضور جلسات التحقيق أو المحاكمة عن بُعد، بواقع 500 جنيه لجلسة الجنايات، و300 جنيه لجلسة الجنح أو الجنح المستأنفة، و100 جنيه لجلسة تجديد الحبس، و10 جنيهات لكل ورقة تصوير.
كما أشار إلى اشتراط شحن رصيد وشراء باقات رسائل للحصول على بعض الخدمات.
وحذر من زيادة أهمية هذه الرسوم مع بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، إذا أصبح استخدام المنظومة الإلكترونية طريقًا لازمًا لمباشرة الدفاع في الحالات التي تتم فيها إجراءات التحقيق أو المحاكمة عن بُعد.
تساؤلات حول دستورية فرض الرسوم
وتساءل الصواف عن مدى جواز استحداث أعباء مالية إجبارية مرتبطة مباشرة بممارسة حق التقاضي والدفاع بموجب قرارات إدارية، دون أن يكون أصل فرضها وضوابطها ومعايير تحديدها صادرًا بقانون.
وأوضح أن المادة 38 من الدستور تنص على أنه لا يجوز تكليف أحد أداء الضرائب أو الرسوم إلا في حدود القانون، كما تكفل المادة 97 حق التقاضي، وتنص المادة 98 على كفالة حق الدفاع أصالة أو بالوكالة، بينما تتضمن المادة 96 ضمانات الدفاع للمتهم، وتتناول المادة 68 حماية المعلومات والبيانات والاتصالات وفقًا للقانون.
الاستناد إلى أحكام قضائية بشأن الرسوم
وأشار النائب إلى أن المحكمة الدستورية العليا أكدت أن الحق في التقاضي يفترض تمكين كل متقاضٍ من النفاذ إلى القضاء بصورة ميسرة لا تثقلها أعباء مالية أو عوائق إجرائية.
كما أشار إلى حكم دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 7402 لسنة 44 قضائية بجلسة 3 يوليو 2003، والذي تناول زيادة الرسوم القضائية ومساهمة المتقاضين في نفقات خدمات مرفق القضاء.
كما استند إلى أحكام قضائية أخرى، من بينها حكم المحكمة الإدارية العليا بجلسة 12 يناير 1991 في الدعوى رقم 2748 لسنة 32 قضائية، وحكم محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بجلسة 30 يناير 1997 في الدعوى رقم 991 لسنة 50 قضائية.
مطالب برلمانية بمراجعة رسوم التقاضي
وأكد الصواف أن القضية لا تتعلق برسوم يتحملها المحامي أو المتقاضي فقط، وإنما بحدود سلطة الإدارة في إنشاء أعباء مالية جديدة قد تتحول إلى عائق أمام ممارسة حق دستوري.
وشدد على أن تطوير مرفق القضاء والتحول الرقمي هدفان مهمان، لكن لا ينبغي أن يتحول تطوير العدالة إلى تكلفة إضافية تمنع المواطن من الوصول إليها، أو أن تصبح التكنولوجيا وسيلة لفرض رسوم لا تستند إلى قانون.
وطالب الحكومة بتوضيح السند الدستوري والقانوني للزيادات واستحداث الرسوم والمقابلات المالية المفروضة على خدمات التقاضي واستخراج المستندات، ومدى توافقها مع المواد الدستورية ذات الصلة.
كما طالب بالكشف عن الأساس القانوني للرسوم المقررة على خدمات التقاضي عن بُعد، والجهة التي حددت قيمتها ومعايير زيادتها، وما إذا كان قد صدر بها قانون يحدد أصل فرضها وضوابطها.
مطالب بحماية غير القادرين من أعباء التقاضي
وطالب النائب الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تحول الرسوم وتكاليف استخراج المستندات والتصوير والوثائق المؤمنة والتقاضي عن بُعد إلى عبء على المتقاضين أو تقييد حقهم في التقاضي والدفاع.
كما دعا إلى مراجعة جميع الرسوم والمقابلات المالية المستحدثة خلال الفترة الأخيرة، وإعداد إطار تشريعي موحد وشفاف لتنظيم الرسوم القضائية والخدمات الرقمية، بما يضع حدودًا ومعايير واضحة لمنع التوسع الإداري غير المنضبط في فرض الأعباء المالية المرتبطة بحق التقاضي والدفاع.
فاطمة الزهراء تحذر من تأثير الرسوم على محدودي ومتوسطي الدخل
من جانبها، علقت المحامية فاطمة الزهراء، المحامية بالنقض وعضو مجلس النقابة السابق، على إطلاق المنصة الرقمية لخدمات التقاضي الجنائي عن بُعد وفرض رسوم مالية على بعض خدماتها، محذرة من تأثير هذه الرسوم على حق المواطنين في التقاضي، خاصة الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
وقالت فاطمة الزهراء إن التقاضي يمثل وسيلة لاقتضاء حق المظلوم، مشيرة إلى اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين المواطنين.
وحذرت من أن ارتفاع الرسوم قد يجعل بعض المواطنين غير قادرين على تحمل تكاليف مباشرة حقوقهم، متسائلة عن قدرة المحامين والمتقاضين على تحمل الأعباء المالية الجديدة.
انتقادات لارتفاع رسوم تصوير أوراق القضايا
وانتقدت المحامية ما وصفته بارتفاع بعض المبالغ المطلوبة مقابل الخدمات القضائية، وضربت مثالًا برسوم تصوير أوراق القضايا، مشيرة إلى أن بعض الملفات قد تتجاوز ألف ورقة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التصوير بصورة كبيرة.
كما أشارت إلى أن نقابة المحامين لم تصدر، وفق تصريحاتها، بيانًا بشأن القرار حتى وقت حديثها، مطالبة بضرورة دراسة هذه الإجراءات قبل تطبيقها وعدم وضع المحامين والمتقاضين أمام أعباء مالية مفاجئة.
وأكدت أن القضية، من وجهة نظرها، تتجاوز مجرد تكلفة خدمة إلكترونية، وترتبط بقدرة المواطن على الوصول إلى القضاء وممارسة حقه في الدفاع.





