فيد ناو وبرومبت باي وإنستاباي.. أنظمة الدفع الفوري في مرمى العصابات الإلكترونية
مع توسع البنوك المركزية حول العالم في إطلاق أنظمة الدفع الفوري، تتوسع معها أيضًا عصابات الاحتيال الإلكتروني التي وجدت في سرعة هذه التحويلات، وصعوبة استرجاعها بعد إتمامها، بيئة مثالية لاستهداف المستخدمين. من القاهرة إلى بانكوك، ومن واشنطن إلى لندن، يتكرر النمط ذاته بتفاصيل متشابهة: مكالمات منتحلة صفة موظفي البنوك أو الجهات الرسمية، روابط إلكترونية مزيفة، وضغط نفسي مُحكم يدفع الضحية لتحويل أمواله قبل أن يمنح نفسه فرصة للمراجعة أو التحقق، وفقا لشبكة فرود نت المتخصصة في شؤون التكنولوجيا المالية.
مصر.. تحذير رسمي متكرر من الاحتيال عبر "إنستا باي"
وجه البنك المركزي المصري تحذيرات متتالية لمستخدمي تطبيق «إنستا باي»، بعدما رصد تصاعدًا ملحوظًا في محاولات النصب التي تستغل شهرة التطبيق الواسعة داخل مصر. ووفقًا للتحذيرات الرسمية، يتواصل المحتالون هاتفيًا منتحلين صفة موظفي دعم فني في التطبيق، مدّعين وجود مشكلة عاجلة تستدعي تدخلًا فوريًا من العميل، ثم يرسلون له روابط إلكترونية مزيفة مصممة لتبدو كصفحات رسمية، بهدف الحصول على بياناته المصرفية وكلمات المرور ورموز التحقق.
وأطلق البنك المركزي، ضمن مبادرة «معًا نكافح الاحتيال»، حملة توعية موسّعة تدعو المواطنين إلى عدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق مع أي جهة، مهما بدت رسمية، مؤكدًا أن أي جهة مصرفية حقيقية لا تطلب هذه البيانات عبر الهاتف أو الرسائل النصية تحت أي ظرف.
أمريكا.. "فيد ناو" يواجه اختباره الأول مع الاحتيال
في الولايات المتحدة، لا تزال خدمة الدفع الفوري «فيد ناو» التابعة للاحتياطي الفيدرالي في مراحلها الأولى نسبيًا من الانتشار، لكن خبراء مكافحة الاحتيال يحذرون من أن غياب خاصية التحقق الكامل من هوية المستفيد يفتح الباب أمام منتحلي الصفة لانتزاع تحويلات فورية دون قدرة الضحية على التأكد من الجهة المستقبِلة فعليًا. وتشمل الأساليب الشائعة انتحال صفة البنوك أو جهات حكومية للضغط على الضحية لإرسال تحويل فوري، إضافة إلى رسائل تصيّد إلكتروني وفواتير مزيفة واستيلاء على الحسابات المصرفية القائمة.
كما حذرت جهات متخصصة في الأمن السيبراني من رسائل احتيالية تزعم وصول تحويل مالي عبر الخدمة، وتطلب من المستخدم إدخال بيانات حسابه البنكي عبر رابط وهمي للمطالبة بالمبلغ المزعوم، وهي حيلة تعتمد على استغلال حداثة الخدمة وقلة إلمام الجمهور بآلية عملها.
في المقابل، تؤكد الجهة المشغلة للخدمة أن حالات الاحتيال المسجلة على شبكتها لا تزال محدودة حتى الآن مقارنة بأنظمة الدفع الأخرى، وأنها زوّدت البنوك المشاركة بأدوات لضبط حدود التحويلات القيمية والزمنية ورصد الحسابات المشبوهة، في وقت تتوسع فيه المؤسسات المالية الأمريكية بشكل تدريجي في اعتماد الخدمة.
تايلاند.. "برومبت باي" في قلب اقتصاد عصابات مراكز الاتصال
يمثل نظام «برومبت باي» التايلاندي، المرتبط مباشرة بأرقام الهواتف والبطاقات الشخصية لملايين المستخدمين المسجَّلين، هدفًا رئيسيًا لعصابات منظمة تدير مراكز اتصال احتيالية، بعضها يعمل من خارج حدود تايلاندا عبر الحدود مع دول مجاورة. وتعتمد هذه العصابات على انتحال صفة الشرطة أو موظفي البنوك أو الجهات الحكومية، مدّعية تورط الضحية في قضايا غسل أموال أو مخالفات جمركية، ثم تطلب تحويلات فورية إلى ما يوصف بـ"حسابات تحقيق" يتم تفريغها خلال دقائق عبر شبكات واسعة من "حسابات الوسطاء" التي يُعاد تدويرها باستمرار.
وسجل مكتب التحقيقات الجنائية التايلاندي (CIB) نحو 280 ألف بلاغ متعلق بالجرائم الإلكترونية خلال الأشهر التسعة الأولى فقط من العام، بخسائر مالية تجاوزت 28 مليار بات، معظمها ناتج عن عمليات نصب تعتمد على خدمات الدفع اللحظي، ما دفع السلطات لتكثيف جهودها لملاحقة العصابات المنظمة وتوسيع نطاق التعاون الدولي في هذا الملف.
القاسم المشترك.. سرعة التحويل تسبق سرعة التحقق
يجمع بين الحالات الثلاث نمط واحد: كلما توسّع بلد في أنظمة دفع فورية غير قابلة للاسترجاع، أصبحت هذه الأنظمة هدفًا متزايد الجاذبية للمحتالين، لأن سرعة التحويل تفوق غالبًا سرعة تدخل البنوك لإيقافه قبل اكتمال العملية ووصول الأموال إلى شبكات معقدة من الحسابات الوسيطة.
وفي المملكة المتحدة، اعتبرت هذه المعضلة على درجة من الخطورة دفعت الجهات الرقابية لفرض قواعد إلزامية على البنوك لتعويض ضحايا هذا النوع من الاحتيال ضمن نظام الدفع الفوري "Faster Payments"، بتعويضات تصل إلى 85 ألف جنيه إسترليني للضحية الواحدة، توزع مناصفة بين البنك المرسل والبنك المستقبِل للأموال.
وكشفت مراجعة مستقلة حديثة، أجرتها صحيفة كول سنتر جورنال أن هذه القواعد ساهمت في خفض حجم خسائر الاحتيال بنحو 73 مليون جنيه إسترليني منذ تطبيقها، وإن ظل تطبيقها متفاوتًا بين البنوك، بحسب اعتراف الجهة الرقابية نفسها التي أعلنت عزمها مراجعة الآلية.
هذا التفاوت العالمي في الاستجابة الرقابية يفسر جزئيا لماذا تبقى التوعية، كما في الحملة المصرية الأخيرة، خط الدفاع الأول أمام المستخدم، إلى أن تتوفر أدوات تحقق آلية أكثر نضجًا ونظم تعويض إلزامية موحدة عبر مختلف الأنظمة حول العالم.





