الإثنين 14 سبتمبر 2026 الموافق 03 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

«من القاهرة إلى باليرمو».. كيف انتقلت العمارة الفاطمية إلى صقلية النورماندية؟

أرشيفية
أرشيفية

لم تكن الصدفة أو مجرد التزامن وحدهما وراء تشكل العمارة النورماندية في صقلية، إذ يؤكد خبراء أن هذا الطراز لم يكن مزيجًا عشوائيًا من المسيحية والإسلام والبيزنطية، وإنما نتاج تراكم طويل للأفكار والتقنيات والحرف التي عبرت البحر المتوسط وتجاوزت الحدود الدينية والسياسية. 

وتكشف دراسة حديثة نشرها موقع «ميديفاليستس.نت» أن كثيرًا من السمات الأكثر تميزًا في العمارة النورماندية بصقلية يمكن ربطها، بدرجات متفاوتة، بالتقاليد المعمارية التي ازدهرت في القاهرة الفاطمية، في وقت كانت فيه الحروب الصليبية ترسم حدودًا دينية وسياسية حادة بين العالمين المسيحي والإسلامي.

ولعل أفضل مدخل إلى هذه القصة هو كنيسة بالاتينا في باليرمو، التي شيدها الملك النورماندي روجر الثاني في القرن الثاني عشر، فمن يدخل الكنيسة يواجه سقفا خشبيا مغطى بالمقرنصات على هيئة خلايا ونجمات مذهبة، ونقوشا عربية، وقبة فوق الهيكل تحمل منطق تنظيم مكاني ارتبط بالعمارة الإسلامية. ومع ذلك، فإن المبنى نفسه كان كنيسة ملكية مسيحية، في مشهد يلخص مفارقة صقلية النورماندية: الحروب بين الحضارتين كانت مستمرة، لكن العمارة كانت تستعير من الطرف الآخر في الوقت نفسه. وتؤكد مصادر تاريخ الفن أن كنيسة بالاتينا جمعت عمدا بين الفنون البيزنطية والتقاليد الإسلامية والرومانسكية، ضمن مشروع سياسي للملكية النورماندية.

من القاهرة إلى باليرمو.. أفكار تعبر البحر المتوسط

لفهم هذه الظاهرة، يجب العودة إلى القاهرة الفاطمية نفسها. فقد حكم الفاطميون مصر لنحو قرنين، وكانت القاهرة في عهدهم مركزا مهما للحرف والفنون والهندسة. 

ولم تكن البيئة الفنية الفاطمية مغلقة على طائفة أو دين واحد؛ إذ عمل حرفيون مسلمون ومسيحيون، إلى جانب جماعات أخرى، في منظومة إنتاج فني ساعدت على تطوير لغة زخرفية تجمع الهندسة والنقوش والأشكال النباتية وتقنيات البناء المتقدمة.

وتشير المادة المنشورة في "ميديفاليستس.نت" إلى أمثلة بارزة على هذه البيئة، من بينها أبواب خشبية وأعمال زخرفية في الأديرة القبطية تجمع الزخارف الهندسية الإسلامية مع الرموز المسيحية، بما يكشف أن انتقال الأساليب بين المجتمعات الدينية لم يكن استثناء نادرا. 

كما يلفت المقال إلى أعمال بوابات القاهرة الفاطمية التي أعاد الوزير بدر الجمالي بناءها في القرن الحادي عشر، وخاصة باب النصر وباب الفتوح، بوصفها أمثلة على تقنيات إنشائية متقدمة شارك في تطويرها حرفيون ذوو خلفيات سورية وبيزنطية وأرمنية.

أما التأثير الفاطمي فلم يتوقف عند مجموعة زخارف يمكن نقلها من مبنى إلى آخر، وإنما شمل طرقا في تنظيم الفضاء، وبناء القباب والأقواس، ومعالجة الأسطح، واستخدام الكتابة والزخرفة كجزء من تصميم المبنى نفسه. 

وتدعم أبحاث عن الفن الفاطمي وصقلية النورماندية وجود تشابهات محددة بين عناصر معمارية في القاهرة ومبان نورماندية في صقلية، مع بقاء النقاش مفتوحا حول الطريق الدقيق الذي انتقلت به كل تقنية ومن شارك في نقلها.

النورمان لم يبدأوا من الصفر

عندما استولى النورمان على صقلية في القرن الحادي عشر، لم يصلوا إلى جزيرة خالية من العمارة الإسلامية، بل ورثوا مجتمعا عاش تحت الحكم الإسلامي لقرون، وورثوا معه مباني وحرفيين وتقنيات وشبكات تجارية وثقافية. 

ولذلك لم يكن تبني بعض العناصر الإسلامية بالنسبة إلى البلاط النورماندي استيرادا كاملا لنمط أجنبي، بل كان في أحيان كثيرة إعادة استخدام وتطويرا لتقاليد كانت موجودة بالفعل على الجزيرة.

وتبرز قصور مثل لا فافارا، التي أعاد روجر الثاني استخدامها، والحمامات في صقلية، باعتبارها شواهد على استمرار هذا الإرث. 

كما تشير الدراسات التي تناولت العلاقة بين القاهرة الفاطمية وصقلية إلى تشابهات محددة بين عناصر في العمارة النورماندية وتفاصيل ظهرت في القاهرة، ومنها الأقواس ذات الأحجار الإسفينية التي تشبه الوسائد، والتي ترتبط ببوابة باب الفتوح الفاطمية. 

وتذهب الباحثة ديانا دارك إلى اعتبار بعض هذه التفاصيل دليلا على انتقال عناصر مصرية إلى البيئة المعمارية الأوروبية عبر البحر المتوسط.

لكن الأهم أن النورمان لم يكتفوا بالإبقاء على المباني الإسلامية الموجودة، بل استخدموا اللغة المعمارية نفسها في مبان جديدة، بما فيها الكنائس. 

وتقدم كنائس سان كاتالدو وسان جيوفاني ديلي إريميتي ومارتورانا أمثلة على هذا التداخل، حيث تظهر القباب الحمراء والأقواس العمياء والهندسة المركزية في مبان مسيحية أنشئت في عهد الملوك النورمان. 

وتؤكد مصادر التراث الثقافي في صقلية أن كنيسة سان جيوفاني ديلي إريميتي أقيمت بين 1130 و1148 فوق موقع كان قد استخدم كمكان للعبادة الإسلامية في القرن العاشر.

كنيسة مسيحية بسقف إسلامي ولغة ملكية عربية

تبقى كنيسة بالاتينا المثال الأكثر وضوحا على هذا التداخل. فقد جمع روجر الثاني في مبناه الملكي بين فسيفساء بيزنطية مذهبة، ومخطط كنسي غربي، وسقف خشبي قائم على المقرنصات الإسلامية، ونقوش عربية، وعناصر زخرفية مستمدة من ثقافات مختلفة عبر المتوسط. 

وأوضحت مجلة "سمارت هيستوري" أن أصل الحرفيين الذين نفذوا هذه الأعمال لا يزال موضوعا للنقاش؛ فهناك فرضيات تشير إلى صقلية نفسها ومصر الفاطمية وشمال أفريقيا وسوريا الشمالية والعراق، ولذلك من الأدق الحديث عن تقاليد حرفية متصلة بالعالم الإسلامي، لا الجزم بأن كل عنصر نفذه حرفيون قدموا مباشرة من القاهرة.

واللافت أن الكتابة العربية داخل الكنيسة لم تكن زينة عشوائية. فقد حمل سقف المقرنصات عبارات عربية مرتبطة بالنصر والقوة والكمال والأمن والنعمة، وهي مفردات تنتمي إلى لغة السلطة الملكية. كما ظهرت العربية في نقوش أخرى داخل الكنيسة وعلى بعض مقتنياتها. وتوضح الدراسات أن استخدام هذه اللغة كان جزءا من الصورة السياسية التي أراد روجر الثاني تقديمها عن نفسه حاكما لمملكة متعددة اللغات والثقافات، لا مجرد تقليد زخرفي للفن الإسلامي.