«من الحدود إلى الممرات البحرية».. كيف تحولت السعودية إلى ساحة رئيسية في حرب أمريكا وإيران؟
تحولت السعودية لواحدة من أبرز ساحات الامتداد الإقليمي الحرب الأمريكية ضد إيران، بعدما انتقل الضغط العسكري من الهجمات الإيرانية المباشرة إلى شبكة أوسع تشمل اليمن والعراق والممرات البحرية.
وخلال الأيام الأخيرة، كثف الحوثيون المدعومون من إيران هجماتهم على مدن ومنشآت سعودية، بالتزامن مع تعرض البنية التحتية النفطية لضربات، بينما يراقب الخليج تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز وتصاعد المخاطر حول باب المندب، وفقا لمجلة “نيوزويك الأمريكية”.
اليمن.. الأكثر خطرًا على الحدود السعودية
وقالت المجلة الأمريكية إن الجبهة اليمنية تبدو حاليا الأكثر نشاطا، بعدما أطلق الحوثيون موجات جديدة من الصواريخ والطائرات المسيرة على جنوب السعودية.
وفي 8 سبتمبر، استهدفت الهجمات أربع مدن سعودية هي أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأصيب 73 مدنيًا، بحسب التحالف الذي تقوده السعودية، فيما تعرضت مواقع للطاقة والمنشآت المدنية لأضرار واندلعت حرائق.
ولم يتوقف التصعيد عند ذلك الحد، ففي صباح اليوم الثلاثاء الموافق 15 سبتمبر، أعلن الحوثيون إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه قاعدة جوية في خميس مشيط، بينما أعلنت السلطات السعودية إصابة 13 مدنيًا.
وفي الوقت نفسه، واصل الحوثيون تقدمهم على الساحل الغربي لليمن، وسيطروا على جزيرة ميون عند مدخل باب المندب، وهو موقع يمنحهم أهمية استراتيجية أكبر في واحدة من أكثر النقاط حساسية للتجارة والطاقة العالمية.
وتكمن خطورة الجبهة اليمنية في أنها تجمع بين الضغط على الأمن الداخلي السعودي والتهديد المباشر لمنشآت الطاقة والموانئ، وبين القدرة على التأثير في الملاحة الدولية، فباب المندب يمثل منفذًا رئيسيًا إلى البحر الأحمر، وأي قدرة حوثية متزايدة على تهديده تعني أن السعودية قد تواجه ضغطا عسكريا على حدودها الجنوبية بالتزامن مع ضغط بحري على صادراتها.
المليشيات العراقية جبهة ثانية ضد شرايين النفط
الجبهة الثانية أكثر تعقيدا لأنها لا تأتي من حدود السعودية الجنوبية، وإنما من العراق والممرات التي تربط منشآت الطاقة السعودية بالبحر الأحمر.
وتأتي المخاوف بعدما تعرض خط أنابيب شرق-غرب السعودي لهجوم أدى إلى توقفه، وهو المسار الذي يمنح المملكة القدرة على نقل جزء من نفطها إلى ساحل البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز.
ويكتسب هذا الخط أهمية استثنائية في ظل استمرار اضطراب هرمز. فتعطله في هذه اللحظة يعني أن السعودية تواجه مشكلة مزدوجة، فطريقها البحري الرئيسي عبر الخليج معرض للاضطراب، والبديل البري الذي يسمح لها بالوصول إلى البحر الأحمر تعرض بدوره للضرر، وإذا طال أمد التوقف، فإن قدرة المملكة على الحفاظ على مستويات التصدير المعتادة تصبح أكثر صعوبة، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة التي أبدتها أسواق النفط تجاه التطورات الأخيرة.
وكان إنتاج النفط السعودي قد تراجع في أغسطس بنحو 2.3 مليون برميل يوميا إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى في أكثر من ثلاثة عقود، وفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة.
وفي حال استمرار تعطل خط شرق-غرب بالتزامن مع ضعف تدفقات هرمز، يصبح أي تصعيد جديد قادرًا على التأثير في الإمدادات العالمية وليس السعودية وحدها.
هرمز وباب المندب.. الخطر يتحول إلى معادلة عالمية
أما الجبهة الثالثة فتتمثل في الممرات البحرية نفسها، فقد تراجعت حركة السفن عبر مضيق هرمز بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، بعدما أصبح المضيق مسرحا لهجمات على سفن وناقلات، فيما أدى تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر إلى زيادة المخاطر حول باب المندب.
وكان هرمز ينقل قبل الحرب نحو خمس الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، ما يجعل استمرار الاضطراب فيه قضية تتجاوز حدود الخليج.
وفي تطور أكثر خطورة، تعرضت سفينة لهجوم أثناء عبورها هرمز وأجبر طاقمها على الإخلاء، بينما شهدت المنطقة حوادث أخرى دفعت شركات الشحن إلى إعادة حساب مخاطر المرور.
وفي الوقت نفسه، أصبح تقدم الحوثيين نحو باب المندب وسيطرتهم على ميون عاملا إضافيا في معادلة أمن الطاقة، إذ تتعرض السعودية لضغط من جانبي خطوط تصديرها البحرية في الوقت نفسه.
اختبار لتحالف مكة
وفي مواجهة هذا الضغط، يدخل اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أول اختبار فعلي له، وينص الاتفاق الموقع في مكة على اعتبار أي عدوان مسلح على إحدى الدول الثلاث عدوانا عليها جميعا، في صيغة تذكر بالمبدأ الدفاعي الجماعي لحلف شمال الأطلسي، وقد بدأت الدول الثلاث بالفعل خطوات مؤسسية لترسيخ الاتفاق، من بينها إنشاء أمانة عامة في السعودية.
لكن الهجمات الحوثية كشفت في الوقت نفسه أن الانتقال من النص السياسي إلى الرد العسكري ليس تلقائيا، فقد أعلنت باكستان في 10 سبتمبر أنه لا توجد في ذلك الوقت مناقشات بشأن رد عسكري بموجب اتفاق مكة، رغم تأكيدها أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ وأن إسلام آباد ستتحرك وفقا لالتزاماتها عندما يحين الوقت.
وتحاول باكستان، التي ترتبط بعلاقات دفاعية وثيقة مع السعودية، في الوقت نفسه الحفاظ على مساحة للمناورة الدبلوماسية في الأزمة الإيرانية، ما يجعل أي قرار بشأن التدخل العسكري أكثر تعقيدا من مجرد تفعيل بند الدفاع المشترك.
السعودية أمام معركة على الحدود وفي البحر والأسواق
وتكشف التطورات الأخيرة أن الضغط على السعودية لم يعد موزعا بين جبهات منفصلة، بل أصبح مترابطًا، فالهجوم الحوثي يضغط على الجنوب، والتهديدات المرتبطة بالعراق تضغط على منشآت وخطوط نقل النفط، واضطراب هرمز وباب المندب يضع صادرات المملكة أمام اختبار بحري مزدوج.
وبدأت التطورات الأخيرة التأثير بالفعل على أسواق الطاقة؛ إذ تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل، بينما حذرت تقديرات من أن استمرار تعطل خط شرق-غرب مع انخفاض تدفقات هرمز قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، وفي 15 سبتمبر، سجل برنت نحو 105.89 دولار، مع استمرار المخاوف بشأن الإمدادات السعودية.





