الإثنين 10 أغسطس 2026 الموافق 27 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

«تقطيع ومسح وإعادة تدوير».. كيف تحولت الكتب النادرة إلى وقود للذكاء الاصطناعي؟

الرئيس نيوز

تتصاعد حالة الجدل حول استخدام شركات الذكاء الاصطناعي للكتب المطبوعة، بعدما كشفت وثائق قضائية عن مشروع نفذته شركة أنثروبيك، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، تضمن شراء ملايين الكتب المستعملة وتفكيكها ومسح صفحاتها ضوئيًا ثم التخلص من النسخ الورقية، بهدف توفير مواد عالية الجودة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

وسلطت مجلة “ذا ويك” الأمريكية الضوء على هذه التطورات التي تأتي في وقت تتزايد فيه حاجة شركات الذكاء الاصطناعي إلى كميات هائلة من بيانات التدريب، فيما تثير الطريقة التي تحصل بها بعض الشركات على هذه البيانات مخاوف جديدة تتعلق بحقوق النشر، ومستقبل صناعة الكتب، ومصير الكتب المطبوعة.

طلبات غامضة في سوق الكتب النادرة

بدأت علامات الاستفهام عندما لاحظ باعة الكتب القديمة والنادرة في بريطانيا وأجزاء من أوروبا وصول طلبات غير معتادة لشراء آلاف العناوين المتخصصة والغامضة من مشترين مجهولين. 

وقال بائع كتب نادرة في لندن إنه تلقى استفسارين "كبيرين على نحو غير معتاد" للحصول على كتب متخصصة، من عناوين بريد إلكتروني مجهولة لم تتضمن أسماء أو بيانات لشركات. كما طلب المشترون صورًا إضافية للكتب قبل إتمام عمليات شراء كبيرة.

وعندما حاول البائع معرفة هوية المشترين والجهة التي ستذهب إليها الكتب، لم يحصل على رد. وأثار ذلك شكوكًا بأن بعض هذه الطلبات قد تكون مرتبطة بشركات ذكاء اصطناعي تبحث عن كميات كبيرة من الكتب لتوفير بيانات تدريب لنماذجها. 

"مشروع بنما".. عندما تحولت الكتب إلى بيانات

كشفت وثائق قضائية لاحقًا عن تفاصيل مشروع داخلي لدى أنثروبيك حمل اسم "Project Panama"، وخلصت الشركة خلاله إلى أن الكتب تمثل مادة مهمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. 

وبحسب الوثائق، رأى أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة أن الكتب تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على تعلم "كيفية الكتابة بشكل جيد"، بدل الاعتماد على ما اعتبره محتوى منخفض الجودة موجودًا على الإنترنت.

وفي إطار المشروع، اشترت أنثروبيك ملايين الكتب المستعملة، ثم قطعت ظهورها باستخدام آلات صناعية، ومسحت صفحاتها ضوئيًا، قبل إعادة تدوير الأجزاء الورقية المتبقية. كما أظهرت وثائق التخطيط الداخلية رغبة المسؤولين في إبقاء المشروع بعيدًا عن الأضواء، خشية أن يؤدي الكشف عنه إلى إثارة انتقادات عامة.

ما أهمية الكتب للذكاء الاصطناعي؟

تكمن أهمية الكتب بالنسبة إلى شركات الذكاء الاصطناعي في طبيعة محتواها المنظم والغني باللغة. فالنماذج اللغوية تحتاج إلى كميات ضخمة من النصوص لتتعلم أنماط اللغة والكتابة، بينما أصبح جزء من المحتوى المنشور على الإنترنت ملوثًا بما يسمى "محتوى الذكاء الاصطناعي"، أي النصوص التي أنتجتها الآلات نفسها.

ولهذا أصبحت الكتب المطبوعة، بما تحتويه من نصوص كتبها البشر قبل انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، مصدرًا جذابًا لبيانات التدريب. وتكشف عمليات الشراء الواسعة أن سباق شركات الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على جمع البيانات الرقمية المتاحة عبر الإنترنت، بل امتد إلى المصادر الورقية الموجودة في المستودعات ومتاجر الكتب. 

شركة كندية تنفي المشاركة

ظهرت أيضًا شركة "Zoom Books" الكندية ضمن التقارير المتعلقة بعمليات شراء الكتب، إلا أنها نفت مشاركتها في رقمنة الكتب وتدميرها بغرض تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ويضيف هذا النفي طبقة جديدة من الغموض إلى سوق الحصول على بيانات التدريب، خصوصًا مع اعتماد عمليات شراء الكتب في بعض الحالات على وسطاء ومشترين لا تكشف هويتهم بشكل واضح، ما يجعل تحديد المستفيد النهائي من الكتب أمرًا صعبًا.

حقوق المؤلف تدخل المعركة

أثارت هذه الممارسات مخاوف جديدة بشأن حقوق الطبع والنشر، خصوصًا مع استمرار الجدل القانوني حول ما إذا كان استخدام الأعمال المحمية بحقوق النشر لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى موافقة أصحاب الحقوق أو دفع مقابل لهم.

وقال توماس كوخ من جمعية الناشرين وبائعي الكتب الألمانية إن ما يحدث يبدو مثالًا جديدًا على استخدام شركات الذكاء الاصطناعي كميات ضخمة من الأعمال المحمية بحقوق النشر لتدريب نماذجها اللغوية دون موافقة أصحاب الحقوق ودون دفع مقابل لهم.

وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب غياب التزامات واضحة بالإفصاح عن مصادر بيانات التدريب، الأمر الذي يجعل من الصعب على المؤلفين والناشرين معرفة ما إذا كانت أعمالهم قد أُدرجت ضمن مجموعات البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما تختلف المواقف القانونية المتعلقة بهذه المسألة بصورة كبيرة بين الدول والأنظمة القضائية المختلفة. 

المفارقة الكبرى.. الكتب تدرب الآلة والآلة تكتب الكتب

المفارقة أن الكتب التي أصبحت مادة لتدريب الذكاء الاصطناعي باتت تواجه منافسة من الآلات التي تعلمت منها. فبعد تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على الكتب المحمية بحقوق النشر، أصبحت هذه الأنظمة قادرة على إنتاج كتب جديدة بسرعة شديدة، ما أدى إلى تدفق عناوين منخفضة التكلفة مولدة بالذكاء الاصطناعي على الأسواق الرقمية.

من أزمة بيانات إلى معركة على مستقبل الكتاب

لم تعد القضية مجرد خلاف تقني حول مصادر تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. فهي تطرح سؤالًا أوسع حول قيمة الكتاب المطبوع وحقوق من أنتجه، وما إذا كان من المقبول تحويل ملايين الكتب إلى مادة خام في سباق التكنولوجيا للحصول على نماذج أكثر قدرة.

ومع استمرار شركات الذكاء الاصطناعي في البحث عن بيانات تدريب عالية الجودة، تتزايد الدعوات إلى وضع قواعد أكثر وضوحًا من الحكومات والاتحاد الأوروبي، لحماية حقوق المؤلفين والناشرين، وتعزيز الشفافية بشأن مصادر البيانات التي تستخدمها شركات التكنولوجيا.