الإثنين 10 أغسطس 2026 الموافق 27 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

السعودية وتركيا وباكستان.. اتفاق دفاعي يفتح الباب أمام تحالف إقليمي جديد

اتفاق مكة الدفاعي
اتفاق مكة الدفاعي

أثار الاتفاق الدفاعي الثلاثي الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة احتمال ظهور تحالف أمني جديد في العالم الإسلامي، في وقت تتزايد فيه الشكوك الإقليمية بشأن الاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية. ويرى محللون، وفقا لصحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست الصينية، أن الاتفاق يأتي في لحظة تبدو فيها الصفقة الأمنية الكبرى بين الولايات المتحدة ودول الخليج آخذة في التآكل، وهو ما قد يفتح أمام الصين مجالًا أوسع لتعزيز حضورها ونفوذها في المنطقة.

وعلى مدار عقود، اعتمدت السعودية ودول خليجية أخرى على المظلة الدفاعية الأمريكية لتوفير الحماية الأمنية، في مقابل اعتماد واشنطن على هذه الدول للحصول على إمكانية الوصول إلى المنطقة، ومصادر الطاقة، والنفوذ الاستراتيجي.

لكن قرار الرياض توقيع اتفاق دفاع مشترك مع تركيا وباكستان يمثل، وفق هذا المنظور، أوضح مؤشر حتى الآن على أن دول المنطقة بدأت تبحث عن بدائل أو مكملات للترتيبات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة.

اتفاق مكة.. "هجوم على واحد هو هجوم على الجميع"

ينص الاتفاق الذي وقع في مكة هذا الأسبوع على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجومًا على الدول الثلاث جميعًا. وتحاكي هذه الصيغة المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، حيث يُنظر إلى الاعتداء على دولة عضو باعتباره اعتداءً على بقية أعضاء الحلف.

ولهذا السبب، أثار الاتفاق منذ الإعلان عنه مقارنات مع حلف الناتو، وبدأ الحديث عن احتمال ظهور صيغة يمكن وصفها بـ"الناتو الإسلامي". لكن أهمية اتفاق مكة لا تقتصر على إنشاء ترتيب أمني إقليمي جديد، وإنما تمتد إلى دلالاته الجيوسياسية الأوسع.

ثلاث قوى متوسطة.. ورسالة إلى واشنطن

يجمع الاتفاق ثلاث قوى إقليمية تتمتع بمصالح وقدرات مختلفة: السعودية، باعتبارها قوة خليجية كبرى وعملاقًا في مجال الطاقة، وتركيا، العضو في حلف الناتو، وباكستان، الدولة الآسيوية ذات القدرات النووية.

ويرى تحليل ساوث تشاينا مورنينج بوست أن الدول الثلاث تتحرك باتجاه تقليل اعتمادها على البنية الأمنية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، وبناء إطار دفاع جماعي خاص بها.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن التحالفات المستقلة بين القوى المتوسطة كانت نادرة منذ بدايات الحرب الباردة، ما يجعل الاتفاق نموذجًا محتملًا يمكن أن تلهم فكرته دولًا أخرى تبحث عن قدر أكبر من الاستقلال في ترتيباتها الأمنية.

لماذا يمثل الاتفاق تحولا مهمًا؟

تكمن أهمية الاتفاق في أنه لا يأتي من دولة واحدة تسعى إلى تقليص اعتمادها على واشنطن، بل من ثلاث دول ذات ثقل جغرافي واستراتيجي مختلف. فالسعودية تمثل مركزًا رئيسيًا للطاقة والاقتصاد في الخليج، وتركيا دولة عضو في الناتو وتمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا بين أوروبا وآسيا، بينما تمتلك باكستان قدرات عسكرية ونووية كبيرة.

وبالتالي، فإن جمع هذه القدرات داخل إطار دفاعي مشترك يمكن أن يمنح الدول الثلاث مساحة أكبر للمناورة، ويعزز قدرتها على التعامل مع التهديدات الإقليمية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة.

الصين تراقب من مقاعد الانتظار

ويأتي الاتفاق في وقت تتطلع فيه الصين إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي في الشرق الأوسط. فبكين تراقب التغيرات في العلاقة الأمنية بين دول الخليج وواشنطن، وقد تستفيد من أي تراجع في الثقة بالمظلة الأمريكية لتوسيع نفوذها، خصوصًا أن الصين ترتبط بعلاقات اقتصادية قوية مع دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاتفاق الثلاثي يمثل تحالفًا صينيًا أو أن الدول الموقعة تتجه إلى استبدال واشنطن ببكين، لكن تراجع الاعتماد على مظلة أمنية واحدة يخلق مساحة أكبر أمام الصين وغيرها من القوى الدولية لتوسيع علاقاتها مع دول المنطقة.

الهند أمام معادلة جديدة

ولا تقتصر تداعيات الاتفاق المحتملة على الولايات المتحدة والصين. فقيام تحالف دفاعي يجمع السعودية وتركيا وباكستان قد يدفع دولًا أخرى، مثل الهند، إلى إعادة تقييم شراكاتها الأمنية وحساباتها الاستراتيجية. وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا بسبب العلاقة التاريخية بين الهند وباكستان، وبسبب موقع تركيا والسعودية في التوازنات الإقليمية والدولية.

وبذلك، قد لا تظل تداعيات اتفاق مكة محصورة في الدول الثلاث، بل تمتد إلى شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات في آسيا والشرق الأوسط.

هل هو "ناتو إسلامي" بالفعل؟

رغم انتشار وصف "الناتو الإسلامي"، فإن الاتفاق لا يعني بالضرورة إنشاء نسخة مطابقة لحلف شمال الأطلسي. لكن مبدأ الدفاع الجماعي الوارد فيه يمثل تحولًا مهمًا في التفكير الأمني الإقليمي، لأنه يعكس استعداد ثلاث قوى متوسطة لبناء آلية دفاع مشتركة بدل الاعتماد بصورة كاملة على المظلة الأمريكية.

وفي نهاية المطاف، قد تكون الرسالة الأهم من اتفاق مكة هي أن دول المنطقة لم تعد تريد وضع أمنها في سلة واحدة، وأنها بدأت تبحث عن شبكة متعددة المستويات من الشراكات والضمانات.

وهنا تحديدًا قد تجد الصين فرصة استراتيجية: فكلما تراجعت الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية، اتسعت المساحة أمام بكين لتقديم نفسها كشريك اقتصادي وسياسي وأمني محتمل في الشرق الأوسط.