صفقة نووية بين واشنطن والرياض.. مخاوف من سباق تسلح في الشرق الأوسط
في ظل المشهد السياسي المتسارع والمليء بالتقلبات، تبرز التساؤلات حول طبيعة ومآلات "صفقة نووية" محتملة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. يثير الغموض المحيط بهذه الاتفاقية حالة من القلق وعدم اليقين في أرجاء منطقة الشرق الأوسط. فمثل هذه الصفقات لا تقتصر تداعياتها على الطرفين الموقعين فحسب، بل تمتد لتشمل توازنات القوى الإقليمية والدولية برمتها، خاصة في منطقة تعاني أصلًا من تراكمات تاريخية من الصراعات والتوترات النووية الكامنة، وفقا لتحليل نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية.
من التفاؤل إلى الشكوك
ووفقا لنيوزويك، أثار الإعلان الأولي عن توقيع صفقة بمليارات الدولارات بين واشنطن والرياض موجة من التحليلات والسيناريوهات. ومع ذلك، سرعان ما تحول التفاؤل الحذر إلى تساؤلات جدية حول استمرارية هذه الاتفاقية.
وأشارت صحيفة واشنطن بوست إلى حالة عدم اليقين حول ما إذا كانت الصفقة "قائمة أم ملغاة"، ما عكس بوضوح هشاشة التفاهمات السياسية في المنطقة، خاصة عندما ترتبط بملفات حساسة مثل الطاقة النووية. ويبدو أن التقلبات في المواقف الأمريكية، المرتبطة أحيانًا بالحسابات الانتخابية أو الضغوط من الحلفاء، تزيد من صعوبة بناء ثقة طويلة الأمد.
شروط واشنطن.. قنبلة موقوتة
تكمن المعضلة الأساسية في الشروط التي وضعتها واشنطن، والتي يبدو أنها وضعت الاتفاقية في مهب الريح، مما أدى إلى خلق توترات إضافية في المنطقة. إن التنافس الجيوسياسي المتجذر يجعل من أي تحرك نووي، مهما كانت دوافعه المعلنة، مسألة تثير هواجس أمنية عميقة لدى دول الجوار والقوى الدولية الفاعلة. فإيران قد ترى في أي تقدم سعودي نووي تهديدًا يستدعي ردود فعل تصعيدية، بينما تراقب إسرائيل عن كثب أي تطور قد يخل بمعادلة التفوق الاستراتيجي التي تحرص على الحفاظ عليها منذ عقود.
تخصيب اليورانيوم يفتح الباب لسباق التسلح النووي
لكن إثارة قضية تخصيب اليورانيوم بشكل سري لأغراض التسليح تزيد من حدة المخاطر المرتبطة بهذه الصفقة. أي تراجع في معايير الشفافية النووية أو أي لبس في بنود الاتفاقية يفتح الباب واسعًا أمام سباق تسلح محتمل، وهو السيناريو الذي طالما حاولت القوى الدولية تجنبه. فالتعامل مع التكنولوجيا النووية يتطلب مسؤولية استثنائية، وأي تسييس لها أو ربطها بصفقات تجارية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تمتد لتشمل الأمن القومي للمنطقة بأكملها. وتاريخ المنطقة مليء بالأمثلة التي تثبت أن الصفقات غير الشفافة غالبًا ما تنتهي بتعقيدات أكبر مما كانت تهدف إلى حله.
دبلوماسية المقايضة.. عندما تصبح الالتزامات بالغة الهشاشة
علاوة على ذلك، تعكس هذه الحالة ارتهان السياسات الخارجية بالتقلبات الداخلية. فمنهجية التعامل في ملفات الشرق الأوسط غالبًا ما تعتمد على صفقات مباشرة قد لا تحظى بالتوافق المطلوب، مما يجعلها عرضة للإلغاء أو المراجعة الجوهرية مع أي تغير في الرؤية السياسية. هذا النمط من العمل الدبلوماسي القائم على المقايضة يقلل من موثوقية الالتزامات الدولية ويزيد من حالة عدم الاستقرار الاستراتيجي. فبدلًا من بناء أطر مؤسسية مستدامة، تبنى الاتفاقيات على شخصيات أو إدارات معينة، مما يجعلها هشة أمام أي تغيير في السلطة أو الأولويات.
وقدم مقترح ترامب حالة نموذجية لوضع تختلط المصالح التجارية في سياقه بالأمن النووي
ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي والتجاري المرتبط بهذه الصفقة، حيث تقدم التكنولوجيا النووية أحيانًا كجزء من حزم استثمارية ضخمة تشمل أسلحة وأنظمة دفاعية وصفقات طاقة. غير أن دمج الملف النووي بهذه الطريقة يثير مخاوف من أن تصبح المعايير الأمنية ثانوية أمام المصالح التجارية، وهو ما قد يفتح ثغرات خطيرة في منظومة عدم الانتشار النووي العالمية. كما أن غياب آليات رقابة دولية صارمة ومستقلة يزيد من احتمالات سوء الفهم أو سوء الاستخدام مستقبلًا.
ترتيبات أمنية لا تشتريها الصفقات
أكدت المجلة الأمريكية أن صفقة ترامب النووية، بوضعها الراهن القائم على الغموض والشروط القاسية، قد تحولت من محاولة لتعزيز التحالفات إلى مصدر إضافي لزعزعة التوازن الهش في الشرق الأوسط. إن مستقبل هذه الاتفاقية لن يتحدد فقط عبر طاولة المفاوضات في واشنطن والرياض، بل عبر مدى قدرة الأطراف المعنية على إدراك أن الأمن الإقليمي لا يبنى على صفقات مؤقتة ومثيرة للجدل، بل على سياسات واضحة وشفافة تضمن عدم الانزلاق نحو سباقات نووية لا يحمد عقباها.