الجمعة 19 يونيو 2026 الموافق 04 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

فانس يهاجم منتقدي الاتفاق النووي مع إيران: ذعر غير مبرر في إسرائيل

فانس - أرشيفية
فانس - أرشيفية

لم يكن الجدل الذي أثاره الاتفاق النووي الجديد بين واشنطن وطهران خلافًا تقنيًا حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم، بل كشف عن شرخ سياسي آخذ في الاتساع بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وبعض أوساط الحكم في إسرائيل.

وفي قلب هذا الجدل، اختار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن يرد علنًا على الانتقادات الإسرائيلية الحادة للاتفاق، معتبرًا أن كثيرًا منها ينطلق من افتراضات غير واقعية ومن حالة "ذعر" لا تتناسب مع المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.

رسائل نارية إلى تل أبيب

وفي بودكاست استضافته صحيفة نيويورك تايمز، لم يقتصر حديث جيه دي فانس على الدفاع عن الاتفاق، بل استثمر المنصة الإعلامية لتوجيه رسائل مباشرة إلى معارضيه في إسرائيل. 

وقال إن بعض المنتقدين يتصرفون وكأن أي تطور إيجابي في العلاقة مع إيران سيحدث تلقائيًا من دون أن تضطر طهران إلى تغيير سلوكها أو تقديم تنازلات.

وفي واحدة من أكثر تصريحاته إثارة للانتباه، أشار إلى أن المشكلات الأمنية لا يمكن حلها إلى ما لا نهاية عبر العمليات العسكرية وحدها، في تلميح واضح إلى الأصوات الإسرائيلية التي ترى أن الضغط العسكري يجب أن يبقى الخيار الأساسي في التعامل مع إيران وحلفائها في المنطقة.

وزراء تحت النار.. ونتنياهو خارج دائرة الاشتباك

اللافت أن نائب الرئيس الأمريكي تعمد التمييز بين الحكومة الإسرائيلية ورئيسها. فقد انتقد بصورة مباشرة وزراء قادوا حملة ضد الاتفاق وضد إدارة ترامب، لكنه تجنب مهاجمة بنيامين نتنياهو نفسه.

ويعكس ذلك إدراكًا أمريكيًا لوجود انقسامات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي حول كيفية التعامل مع الواقع الجديد الذي فرضته الحرب والاتفاق اللاحق، كما يعكس رغبة واشنطن في احتواء الخلاف ومنع تحوله إلى أزمة مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية بأكملها.

ماذا تريد واشنطن من الاتفاق؟

بعيدًا عن السجال السياسي، تصر إدارة ترامب على أن الاتفاق يحمل مكاسب استراتيجية واضحة، فبحسب فانس، فإن أولى النتائج الملموسة تمثلت في تراجع التهديدات التي تعرضت لها حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو الشريان البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. 

وتعتقد الإدارة الأمريكية أن خفض التوتر في هذا الممر الحيوي ساهم في تهدئة الأسواق ومنع حدوث صدمات أكبر في أسعار النفط والغاز، كانت ستنعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.

نقطة الخلاف الكبرى

أكثر ما يثير الجدل يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني نفسه. فمنتقدو الاتفاق يرون أن النص لا يقدم ضمانات كافية لمنع طهران من استئناف أنشطتها النووية مستقبلًا، بينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن الاتفاق يتضمن التزامات واضحة تتعلق بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب وآليات المراقبة والتحقق.

ويقول فانس إن الفارق الجوهري بين هذا الاتفاق واتفاق عام 2015 يكمن في أن أي مكاسب اقتصادية محتملة لإيران ستكون مرتبطة مباشرة بمدى التزامها بالتعهدات الواردة في مذكرة التفاهم، ما يمنح واشنطن أوراق ضغط مستمرة خلال مراحل التنفيذ.

إيران الضعيفة أم إيران المتحولة؟

يتمثل أحد أهم الأسئلة المطروحة في واشنطن في ما إذا كانت إيران قد غيّرت سلوكها بالفعل أم أنها تمر فقط بمرحلة تكتيكية مؤقتة.

فانس يراهن على أن الأشهر الأخيرة أحدثت تحولًا حقيقيًا داخل النظام الإيراني، وأن الضغوط العسكرية والاقتصادية دفعت طهران إلى تبني نهج أكثر براغماتية في التفاوض، أما المنتقدون فيرون أن إيران اعتادت تاريخيًا الاستفادة من فترات الانفراج لإعادة ترتيب أوراقها ثم العودة إلى سياساتها السابقة بمجرد تحسن الظروف.

الخليج يمنح الاتفاق دفعة إضافية

ومن النقاط التي تستشهد بها الإدارة الأمريكية، وفق تصريحات نائب ترامب، لتأكيد جدوى الاتفاق، الموقف الخليجي، فالدول العربية الخليجية التي أبدت تحفظات كبيرة على الاتفاق النووي السابق تبدو اليوم أكثر تقبلًا للمسار الجديد، انطلاقًا من اعتقادها بأن الحرب الأخيرة غيّرت موازين القوى وأضعفت قدرة إيران على فرض نفوذها الإقليمي بالشكل الذي كان قائمًا خلال العقد الماضي. 

وترى واشنطن أن هذا التأييد الإقليمي يمنح الاتفاق فرصة أكبر للاستمرار مقارنة بالتجارب السابقة.

اختبار أكبر من إيران

في جوهره، لا يتعلق الجدل الدائر اليوم بمستقبل البرنامج النووي الإيراني فقط، بل بمستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أيضًا، فتصريحات فانس حملت رسالة واضحة مفادها أن واشنطن مستعدة لاتخاذ قرارات تراها منسجمة مع مصالحها الاستراتيجية حتى لو واجهت اعتراضات من حلفائها التقليديين.

ولهذا يبدو الاتفاق الحالي أكثر من مجرد تفاهم دبلوماسي؛ إنه اختبار لموازين القوى داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي، واختبار كذلك لمستقبل جيه دي فانس السياسي باعتباره أحد أبرز الوجوه المرتبطة بهذا المسار، وإذا نجح الاتفاق في تحقيق أهدافه فقد يتحول إلى أحد أهم إنجازات الإدارة الأمريكية الحالية، أما إذا تعثر فسيصبح مادة جديدة للسجال السياسي داخل واشنطن وخارجها.