الجمعة 17 أبريل 2026 الموافق 29 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

بعد سنوات من التجاهل.. لندن تراهن على ألعاب الفيديو كقوة اقتصادية

الرئيس نيوز

بدأت الحكومة البريطانية أخيرًا في الاعتراف الرسمي بقوة صناعة ألعاب الفيديو اقتصاديًا وثقافيًا، بعد سنوات من التجاهل النسبي مقارنة بقطاعات إبداعية أخرى مثل السينما والموسيقى. 

ووفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، جاء هذا التحول مع إعلان الحكومة عن صندوق بقيمة 28.5 مليون جنيه إسترليني لدعم استوديوهات الألعاب، يشمل منحًا تصل إلى 20 ألف جنيه للشركات الناشئة، و250 ألف جنيه لتلك التي تسعى للتوسع. 

ووصف وزير الصناعات الإبداعية، إيان موراي، قيمة ألعاب الفيديو للاقتصاد البريطاني بأنها "تم تجاهلها لفترة طويلة جدًا"، مؤكدًا أن الحكومة "ألقت بدعمها الكامل خلف القطاع".

وفقًا لهيئة "يو كي إنتراكتيف إنترتينمنت"، بلغت قيمة صناعة الألعاب البريطانية 8.76 مليار جنيه إسترليني في عام 2025، بارتفاع 7.4% عن العام السابق، ويشمل ذلك إيرادات البرمجيات (6.03 مليار جنيه، بزيادة 7%)، والأجهزة (2.17 مليار جنيه).

وتوظف الصناعة عشرات الآلاف من الأشخاص، وتضم نحو 2000 شركة، مع إسهام كبير في الاقتصاد من خلال ألعاب عالمية شهيرة مثل "جراند ثيفت أوتو"، و"تومب رايدر"، و"ليجو"، و"ستار وورز"، و"فوتبول مانجر"، التي طُوّرت في بريطانيا.

يأتي هذا الإعلان تزامنًا مع حفل جوائز "بافتا" لألعاب الفيديو، الذي يحتفي بإنجازات المطورين البريطانيين والعالميين.

ويرى الصحفي كريستوفر درينج، محرر موقع "ذا جيم بيزنس"، أن التمويل يمثل "بيانًا قويًا من الحكومة بأنها تأخذ ألعاب الفيديو على محمل الجد كقوة اقتصادية وثقافية".

ورغم هذا التقدم، يشير خبراء الصناعة إلى أن ألعاب الفيديو لم تحظ بعد بالتقدير نفسه الذي تحظى به قطاعات إبداعية أخرى، فعلى سبيل المثال، في فرنسا، حظي مطورو لعبة "كلير أوبسكور: إكسبيديشن 33" بإشادة علنية من الرئيس إيمانويل ماكرون ووزارة الثقافة، أما في بريطانيا، فلا يزال القطاع يعاني من نقص الدعم السياسي والثقافي المماثل، رغم مساهمته الكبيرة في التصدير الثقافي والسياحة.

ويأتي هذا الدعم الجديد ضمن خطة القطاعات الإبداعية الحكومية، التي تهدف إلى جعل المملكة المتحدة "الوجهة رقم واحد عالميًا للاستثمار في الإبداع والابتكار" بحلول عام 2035. 

ويُصنّف قطاع الألعاب ضمن ثمانية قطاعات رئيسية تدفع النمو، مع التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية ودعم الاستوديوهات متوسطة الحجم.

كما يسعى مجلس ألعاب الفيديو البريطاني إلى مزيد من الدعم، خاصة للشركات المتوسطة، من خلال قروض وإعفاءات ضريبية أكبر، ويؤكد المجلس وجود مواهب بريطانية هائلة، لكنها تحتاج إلى دعم سياسي مماثل لما تقدمه دول أخرى مثل تركيا.

تطوير مهارات البرمجة

وفي السياق الأوسع، كشفت دراسات حديثة أن ألعاب الفيديو تساهم في تطوير مهارات مثل البرمجة والتفكير الإبداعي، كما في ألعاب مثل "ماين كرافت" أو "رابيد روتر"، كما توفر فرصًا اجتماعية وتعليمية، رغم النقاشات المستمرة حول السلامة عبر الإنترنت والتأثيرات على الصحة النفسية.

ومع ذلك، تواجه الصناعة تحديات، من بينها فقدان الوظائف عالميًا في السنوات الأخيرة، ومشكلات التنوع الطبقي، حيث تسعى مبادرات مثل "إنتو جيمز" إلى زيادة مشاركة أبناء الطبقات العاملة بنسبة 50% بحلول عام 2030، من خلال برامج تدريب وتوعية في مدن مثل برمنجهام ومانشستر ودندي.

ويعكس الإعلان الحكومي تحولًا محتملًا في النظرة البريطانية تجاه ألعاب الفيديو، من كونها مجرد ترفيه إلى صناعة استراتيجية تساهم في النمو الاقتصادي وتعزيز القوة الناعمة، ويرى مراقبون أن هذا قد يكون بداية "استيقاظ" حقيقي، خاصة مع اقتراب حفل "بافتا" الذي يسلط الضوء على الإنجازات البريطانية.

وبعد عقود من النمو الصامت، تبدو المملكة المتحدة وكأنها بدأت تدرك أخيرًا القوة الهائلة لألعاب الفيديو — اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا، ويبقى السؤال المطروح: هل ستستمر هذه الخطوات وتتحول إلى دعم مستدام، أم ستظل مجرد إعلانات مؤقتة؟ الإجابة ستحدد ما إذا كانت بريطانيا ستحافظ على مكانتها كقوة عالمية في هذا المجال الذي يشهد نموًا متسارعًا.