الجمعة 17 أبريل 2026 الموافق 29 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

بين غزة وبروكسل.. كيف هندس لوبي "إلنيت" صفقات السلاح الإسرائيلي داخل البرلمانات الأوروبية؟

الرئيس نيوز

في لحظة تشهد فيها فرنسا وأوروبا موجة تسلح غير مسبوقة وسط تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بالانسحاب من حلف الناتو، يبرز الدور المتنامي للصناعة العسكرية الإسرائيلية بوصفها شريكا مفضلا في منظومة التعاقدات الدفاعية الأوروبية، مدعومة بشبكة نفوذ سياسية واسعة يقودها اللوبي المعروف باسم "إلنيت"، الذي يعمل كوسيط محوري بين صناع القرار الأوروبيين وشركات السلاح الإسرائيلية، حيث تحولت حرب غزة ذات الطابع التدميري إلى أداة تسويق غير مباشرة لصادرات السلاح، وفق تحقيق نشره موقع "أورينت 11" الفرنسي المستقل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط.

تعود جذور هذا النفوذ إلى عام 2007 حين تأسس لوبي "إلنيت" في بروكسل كمنظمة ضغط تهدف إلى تعزيز العلاقات مع إسرائيل داخل المؤسسات الأوروبية. ومع مرور السنوات، توسعت أنشطته لتشمل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا ودولًا أوروبية أخرى، إضافة إلى شبكات داخل البرلمان الأوروبي وحلف الناتو، ما جعله أحد أبرز الفاعلين غير الحكوميين في توجيه سياسات التعاون الأمني والدفاعي لصالح إسرائيل.

دبلوماسية السلاح: من زيارات ميدانية إلى صفقات مليارية

تُظهر المعطيات التي أوردها التحقيق أن "إلنيت" لا يقتصر على العمل السياسي التقليدي، بل ينظم زيارات ميدانية لوفود عسكرية وسياسية أوروبية إلى إسرائيل، حيث يتم تقديم التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية على أنها "مجرّبة في ساحات القتال"، خصوصًا في غزة. هذه الزيارات لا تُستخدم فقط لأغراض التبادل العسكري، بل تتحول إلى منصات تسويقية مباشرة لعقود تسليح ضخمة.
 

وفي مثال بارز، حصلت ألمانيا على عقد بقيمة 3.5 مليارات دولار لشراء نظام الدفاع الصاروخي "آرو 3" من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، بعد سلسلة من اللقاءات والزيارات التي نسقها "إلنيت". كما تشير تقارير اقتصادية إلى أن برلين تدرس لاحقًا شراء منظومة "آرو 4" قيد التطوير، ما يعكس تعمق الشراكة الدفاعية بين الجانبين.

شبكة نفوذ عابرة للبرلمانات والوزارات

التحقيق يوضح أن تأثير "إلنيت" يمتد إلى داخل البرلمانات الأوروبية نفسها، حيث يشارك نواب ومسؤولون رفيعو المستوى في وفود وزيارات منظمة إلى إسرائيل، تشمل لقاءات مع مسؤولين عسكريين وسياسيين، من بينهم وزراء حاليون وسابقون وشخصيات عسكرية بارزة.

وتشير وثائق متعددة إلى أن هذه الوفود لعبت دورًا في تعزيز قناعة صناع القرار الأوروبيين بجدوى الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، ما انعكس مباشرة على توسع العقود الدفاعية بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة.

تسويق "المجرب في غزة" وتطبيع اقتصاد الحرب

من أبرز ما يكشفه التحقيق أن شركات السلاح الإسرائيلية تقدم منتجاتها في السوق الأوروبية تحت شعار غير معلن مفاده أنها "مجرّبة ميدانيًا"، في إشارة إلى استخدامها في العمليات العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية. هذا الخطاب، بحسب التقرير، أصبح جزءًا من استراتيجية تسويق منظمة تدعمها شبكات ضغط سياسية وإعلامية في أوروبا.

وفي هذا السياق، يبرز دور شخصيات عسكرية أوروبية سابقة شاركت في زيارات نظمها لوبي "إلنيت"، حيث أعرب بعضهم عن إعجابهم بالقدرات العسكرية الإسرائيلية، وكتبوا تقارير إيجابية ساهمت في تعزيز الثقة السياسية بهذه المنظومة التسليحية.

تعميق التعاون الأوروبي–الإسرائيلي في ظل حرب أوكرانيا

مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، تسارعت وتيرة التعاون الدفاعي بين أوروبا وإسرائيل، حيث رأت تل أبيب في الأزمة فرصة لتوسيع صادراتها العسكرية.

ووفق التقرير، نظمت "إلنيت" مؤتمرات استراتيجية جمعت مسؤولين من حلف الناتو وخبراء عسكريين إسرائيليين، لمناقشة مستقبل الأمن الأوروبي ودور إسرائيل كشريك تقني أساسي.

وساهمت هذه اللقاءات في تعزيز خطاب أوروبي جديد يرى في إسرائيل "مزودًا استراتيجيًا" للتكنولوجيا الدفاعية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ الدقيقة وأنظمة المراقبة.

صفقات متسارعة وتحالفات صناعية متشابكة

في السنوات الأخيرة، وقّعت شركات إسرائيلية كبرى مثل "إلبيت سيستمز" و"رافائيل" صفقات بمليارات اليورو مع شركات أوروبية، شملت ألمانيا ورومانيا ودولا أخرى. كما تم إطلاق مبادرات تعاون صناعي مشترك بين شركات إسرائيلية وأوروبية تهدف إلى دمج الابتكار الإسرائيلي مع القدرات التصنيعية الأوروبية.

وتشير الوثائق إلى أن هذه الشراكات لم تعد تقتصر على الجانب التجاري، بل امتدت إلى تنسيق استراتيجي طويل الأمد يشمل تبادل الخبرات بين الجيوش والصناعات الدفاعية.

فرنسا وألمانيا في قلب شبكة التأثير

وكشف التحقيق أن فرنسا وألمانيا تلعبان دورا محوريا في هذه المنظومة، حيث تضم الشبكات الاستشارية لـ"إلنيت" شخصيات سياسية وعسكرية بارزة من البلدين. كما يتم تنظيم فعاليات دورية داخل البرلمانات الأوروبية، ما يتيح التواصل المباشر بين ممثلي الشركات العسكرية وصناع القرار.
 

وفي فرنسا تحديدا، تم رصد زيارات متكررة لوفود إسرائيلية إلى معارض أمنية مثل "ميليبول" في العاصمة القطرية الدوحة، حيث ترافقت المشاركة مع لقاءات مكثفة في البرلمان الفرنسي ووزارات الدفاع والخارجية، ما يعكس اندماجًا متزايدًا بين البنية السياسية الأوروبية ومنظومة الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

هندسة نفوذ متكامل بين السياسة والاقتصاد والعسكر
 

ويخلص التحقيق إلى أن "إلنيت" تمثل نموذجا متقدمًا لشبكات الضغط الحديثة التي تدمج بين السياسة والاقتصاد والعسكر، وتعمل على إعادة تشكيل العلاقات الأوروبية–الإسرائيلية في اتجاه يخدم توسع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية.
 

وفي ظل استمرار التصعيد العسكري في غزة، ثم لبنان والمنطقة، تبدو هذه الشبكات أكثر رسوخًا، بينما تتعزز مكانة إسرائيل كمورد رئيسي للتكنولوجيا العسكرية داخل أوروبا، ضمن منظومة معقدة تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية إلى اقتصاد حرب متكامل الأبعاد.