الجمعة 17 أبريل 2026 الموافق 29 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

روما تزداد ابتعادًا عن واشنطن.. اتساع التصدعات بين ميلوني وإدارة ترامب

الرئيس نيوز

في تحول دراماتيكي يعكس تصدعًا عميقًا في العلاقات عبر الأطلسي، أصبحت العلاقة بين رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس الأمريكي دونالد ترامب محل توتر علني حاد خلال الأيام القليلة الماضية. 

وكانت ميلوني، زعيمة حزب "إخوان إيطاليا" اليميني المتطرف، تُعد لسنوات طويلة من أقرب حلفاء ترامب في أوروبا، إلا أن الأحداث الأخيرة — خاصة رفض إيطاليا المشاركة في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وانتقادها العلني لتصريحات ترامب ضد البابا ليو الرابع عشر — أدت إلى تآكل هذا التحالف الذي بدا يومًا متينًا، وفقًا لصحيفة "وول ستريت جورنال".

علاقة في بدايتها كانت وطيدة

بدأت العلاقة بين الطرفين بداية قوية؛ إذ كانت ميلوني القائدة الأوروبية الوحيدة التي حضرت تنصيب ترامب في يناير 2025، وزارت مار-أ-لاجو، وأعربت علنًا عن أملها في منحه جائزة نوبل للسلام. 

في المقابل كان ترامب يصفها بـ"الزعيمة الرائعة"، ويرى فيها جسرًا بين واشنطن وأوروبا، لكن هذا التقارب تحول تدريجيًا إلى عبء سياسي داخلي لميلوني، خاصة بعد هزيمة استفتاء قضائي كبير في مارس 2026، والذي حمّل فيه حلفاؤها جزءًا من المسؤولية لارتباطها الوثيق بترامب. 

وفي بلد يتمتع بثقافة معارضة تقليدية للحروب، أصبح التقارب مع الإدارة الأمريكية، وسط ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الصراع في الشرق الأوسط، يُنظر إليه كتهديد انتخابي قبل الانتخابات العامة المقررة في 2027.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن نقطة التحول الرئيسية جاءت مع تصريحات ترامب الحادة ضد البابا ليو الرابع عشر، الذي انتقد الحرب على إيران ودعا إلى السلام.

أول انتقاد علني من ميلوني لترامب

وقد وصف ترامب البابا بأنه "ضعيف جدًا" و"رهيب"، مما أثار غضبًا واسعًا في إيطاليا الكاثوليكية، وردت ميلوني بسرعة، معتبرة التصريحات "غير مقبولة"، مؤكدة أن "البابا رأس الكنيسة الكاثوليكية، ومن الطبيعي أن يدعو إلى السلام ويندد بكل أشكال الحرب"، وكانت هذه أول انتقادات علنية مباشرة من ميلوني لترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، وجاءت في توقيت حساس وسط تصاعد التوتر حول الحرب على إيران.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ وفقًا لصحيفة "الجارديان" البريطانية، رفضت الحكومة الإيطالية السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة سيغونيلا في صقلية للعمليات المتعلقة بالشرق الأوسط، مؤكدة أن أي استخدام للقواعد يتطلب موافقة برلمانية ويخضع للاتفاقيات الدولية القائمة. 

كما أعلنت ميلوني تعليق التجديد التلقائي لاتفاق دفاع طويل الأمد مع إسرائيل، في خطوة تعكس تحولًا في موقف روما تجاه السياسة الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة.

غضب ترامب من ميلوني

وأغضبت هذه القرارات ترامب، الذي اتهم ميلوني بعدم المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، وقال في مقابلة مع صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية: "أنا مصدوم منها. كنت أعتقد أنها تمتلك الشجاعة، لكنني كنت مخطئًا"، وأضاف: "هي غير مقبولة، لأنها لا تهتم إذا حصلت إيران على سلاح نووي، وستدمر إيطاليا في دقيقتين إذا استطاعت".

وردت ميلوني بقوة، قائلة في تصريح رسمي: "كوننا حلفاء لا يعني عدم وجود خطوط حمراء، وبالتأكيد لا يعني أن نكون تابعين أو رعايا"، وأكدت أن إيطاليا تتصرف وفق سياستها الخارجية المستقلة، وأن التحالف لا يفرض الخضوع. 

وأثار هذا التبادل تصفيقًا واسعًا داخل البرلمان الإيطالي، حيث توحدت أحزاب من اليمين واليسار في دعم ميلوني، معتبرين الموقف "إيطاليا أولًا"، وحتى الصحف الإيطالية، من "لا ستامبا" إلى "إل جورنالي" و"لا ريبوبليكا"، احتفت بالمواجهة كدليل على استقلالية روما.

وترجّح "التايمز" أن ميلوني تحاول، تكتيكيًا، الابتعاد عن ترامب لأسباب داخلية بحتة، فبعد الهزيمة في الاستفتاء، أصبح التقارب السابق مع الإدارة الأمريكية عبئًا انتخابيًا في دولة ترفض التدخلات العسكرية، كما أن الرأي العام الإيطالي يعارض بشدة الحرب على إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

وفي الوقت نفسه، يعكس هذا الصدع اتساع الشقاق الأوسع بين واشنطن وأوروبا حول استراتيجية الشرق الأوسط. كانت ميلوني تُرى سابقًا كـ"جسر" محتمل، لكنها أصبحت الآن جزءًا من التصدع، مما يضعف قدرة الولايات المتحدة على توحيد الحلفاء في مواجهة إيران.

خيانة التحالف

ومن جانبه، يرى ترامب في موقف ميلوني خيانة للتحالف، معتبرًا أن إيطاليا تعتمد على واشنطن لأمنها لكنها ترفض المساهمة، وأكد في مقابلات إعلامية أن "العلاقة لم تعد كما كانت"، وأن ميلوني "مختلفة تمامًا عما كنت أعتقده".

أما محللو "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" فيصفون الوضع بأنه "انهيار صداقة سياسية"، مشيرين إلى أن الوسط السياسي يختفي بين إدارة ترامب التي تطالب بالولاء المطلق، وأوروبا التي ترى في ترامب قوة مزعزعة للاستقرار.

وأشارت "الجارديان" إلى أن التأثيرات الاستراتيجية لهذا التصدع بعيدة المدى؛ إذ يضعف الخلاف قدرة الناتو على التنسيق في المتوسط، ويفتح الباب أمام انقسامات أوروبية أوسع حول السياسة تجاه إيران وإسرائيل. 

وداخل إيطاليا، يعزز موقف ميلوني شعبيتها بين الناخبين المعتدلين والكاثوليك، لكنه يثير غضب الجناح المتطرف في تحالفها، أما على المستوى الدولي، فتؤكد التقارير أن روما لم تعد "الصديقة الموثوقة" لواشنطن، بل أصبحت نموذجًا للدول الأوروبية التي ترفض "التبعية" مقابل التحالف.

ويمثل ابتعاد روما عن واشنطن مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية-الأوروبية تحت إدارة ترامب الثانية، فما بدأ كتحالف أيديولوجي متين تحول إلى مواجهة علنية، مدفوعًا بمزيج من الحسابات الداخلية الإيطالية والاختلافات الاستراتيجية حول الحرب في الشرق الأوسط. 

وسواء كان هذا التصدع تكتيكيًا مؤقتًا أم بداية لتحول دائم، فإنه يعكس واقعًا جديدًا: الحلفاء ليسوا رعايا، والتحالف لا يعني الاستسلام.