الجمعة 17 أبريل 2026 الموافق 29 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

كيف تخوض "تروث سوشيال" معركة فرض رواية ترامب عن حرب إيران؟

الرئيس نيوز

في أواخر فبراير الماضي، لم يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحرب على إيران أمام الكاميرات من البيت الأبيض، ولم يبادر بإلقاء خطاب رسمي على الأمة والعالم لإعلان نبأ من أخطر الأنباء في القرن الحادي والعشرين، وبدلًا من ذلك، فتح ترامب هاتفه وسجّل مقطع فيديو مدته ثماني دقائق، نشره على منصته الخاصة "تروث سوشيال"، ليعلن فيه أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا عمليات قتالية واسعة النطاق ضد إيران.

لم تكن ثمة خطبة رسمية، بل رسالة رقمية على منصة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعلامة ترامب التجارية الشخصية، في تجاوز صريح للأعراف التقليدية التي تحكم إعلان رؤساء الولايات المتحدة قراراتهم الكبرى في شؤون الأمن القومي، وفقًا لصحيفة "بوسطن جلوب".

وفي تلك اللحظة، وُلدت "تروث سوشيال" من جديد — وتحولت إلى شيء لم يكن أحد يتوقعه.

من منصة هامشية إلى غرفة حرب

كانت "تروث سوشيال" قبل الحرب تُعرَف في أغلب الأوساط الإعلامية والتقنية تعريفًا واحدًا لا يتغير: "منصة ترامب" هو مالكها، وهي منصته، وجمهورها مؤلف في معظمه من المحافظين الأمريكيين ومناصريه الأوفياء، أطلقها عام 2022 في أعقاب حظره من "تويتر" و"فيسبوك" إثر أحداث الكابيتول في يناير 2021، معلنًا أن هدفها "مواجهة استبداد عمالقة التكنولوجيا". 

لكن البداية كانت متعثرة على كل المقاييس؛ إذ واجه المستخدمون شكاوى تقنية، وقوائم انتظار طويلة، وجمهورًا محدودًا وصفه محللون في إحصاءات "ستاتيستا" عام 2022 بأنه يتمركز في فئة الذكور في العقدين الخامس والسادس من العمر من المحافظين المؤيدين لترامب، قبل أن تأتي حرب إيران لتقلب المعادلة رأسًا على عقب.

ثماني دقائق غيّرت تعريف منصة بأكملها

حين أطلق ترامب مقطعه الافتتاحي معلنًا الحرب، لم يكتفِ بكسر الأعراف الرئاسية، بل أسس لنموذج جديد كليًا في إدارة الحروب إعلاميًا، ومنذ تلك اللحظة، باتت "تروث سوشيال" المصدر الأول والرئيسي لكل ما يتعلق بمسار الحرب — من توقيت الضربات إلى خرائط الخسائر، ومن الإنذارات الدبلوماسية إلى المناشدات الموجهة للشعب الإيراني. 

وعندما أعلن ترامب أن البحرية الأمريكية ستبدأ على الفور في تطبيق حصار بحري شامل على مضيق هرمز، جاء الإعلان عبر منشور مباشر على "تروث سوشيال"، لا عبر بيان رسمي أو مؤتمر صحفي.

وبعد إنقاذ عقيد أمريكي كان محاصرًا في جبال إيران خلف خطوط العدو، فاجأ ترامب العالم بمنشور مطوّل مليء بالألفاظ الحادة يهاجم فيه طهران، مضيفًا جرعة جديدة من التوتر إلى الصراع بعد ساعات فقط من اكتمال العملية، وفقًا لما أوردته وكالة الإذاعة الوطنية العامة. 

ووثق الصحفيون ومتابعو الشأن الأمريكي نمطًا ثابتًا في توقيت منشوراته: إما في لحظات التصعيد العسكري الحاد، أو في فترات الهدوء المؤقت كتذكير بالإنجازات وإبقاء للرواية التي يريدها الرئيس حية.

رواية الحرب كما يريدها الرئيس

أشارت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية إلى أن ما يميز "تروث سوشيال" عن كل المنابر الإعلامية الأخرى، تقليدية كانت أم رقمية، هو انعدام أي حارس بوابة؛ فلا محرر يراجع، ولا معيار للنشر، ولا رقيب يضع قلمًا أحمر على الصياغة، فالرئيس هو صاحب المنصة ومالكها ومنتج محتواها ومستهلكه في آن واحد، وهو ما يجعلها أداة غير مسبوقة في تاريخ الدبلوماسية والحروب.

ورصدت صحيفة "بوسطن جلوب" هذا التحول في مقال تحليلي مبكر وصفته بأنه "تجاوز كامل للأساليب التقليدية التي اعتاد الرؤساء من خلالها إيصال قراراتهم المصيرية في الشأن الأمني القومي"، فبينما كان أسلافه يتوجهون إلى الأمة عبر خطاب متلفز معدّ بعناية من المكتب البيضاوي، يكتفي ترامب بهاتفه ومنصته ليطلق ما يعتبره "الحقيقة" مباشرة إلى ملايين المتابعين، مقابل ما يصفه فورًا بأنه "أخبار كاذبة".

"حقائق ترامب" التي تحرك الأسواق والجيوش

تعاملت الجهات الرسمية والأسواق المالية والعواصم الكبرى مع منشورات "تروث سوشيال" كوثائق شبه رسمية تستوجب ردود فعل فورية، فعندما يكتب ترامب عن الحصار تتحرك الأساطيل، وعندما يتحدث عن مفاوضات تتغير وجهات الطائرات الدبلوماسية، وعندما يهدد تُعقد اجتماعات طارئة. 

ووصفت وسائل إعلام غربية بارزة المنصة بأنها تحولت إلى "غرفة قيادة حربية فورية" لإصدار التوجيهات العسكرية والإنذارات الدبلوماسية وشن الحرب النفسية.

ولم يقتصر الأمر على الأسواق والحكومات؛ فقد وجد محللون ومعلقون أنفسهم أمام منشورات تتجاوز حدود الخطاب الرئاسي المتعارف عليه، إذ تضمنت تهديدات بقصف بنى تحتية مدنية إيرانية وعبارات يصفها البعض بأنها لا مثيل لها في تاريخ قادة الدول في العصر الحديث. 

وأشار المحلل فريد كابلان في مجلة "سليت" إلى أن قلة من زعماء العالم — حتى أشدهم تطرفًا — أصدروا تصريحات بهذا المستوى من الحدة.

صورة المسيح وتصعيد جديد

في خضم الحرب، نشر ترامب على "تروث سوشيال" صورة توليفية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تظهره في هيئة شبيهة بالمسيح، يمسح بيده على رأس مريض ويخرج منها نور، محاطًا بجنود وممرضة وأعلام أمريكية ورموز وطنية، واضطر في نهاية المطاف إلى حذف الصورة بعد ساعات، معللًا ذلك بأن "الناس أُصيبوا بالارتباك"، فيما طلب رئيس مجلس النواب مايك جونسون منه مباشرة إزالة المنشور، لكن نائب الرئيس دي فانس دافع عن الصورة واصفًا إياها بأنها "مزحة"، وأن ترامب حذفها لأنه "أدرك أن كثيرين لم يفهموا روح الدعابة".

وجاءت الصورة في سياق خلاف متصاعد بين ترامب والبابا ليو الرابع عشر، أول بابا أمريكي المولد في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، والذي وصف حرب إيران بأنها "غير إنسانية". 

وكان ترامب قد هاجم البابا قبل نشر الصورة مباشرة عبر "تروث سوشيال"، واصفًا إياه بأنه "ضعيف في مواجهة الجريمة وسيئ للغاية في السياسة الخارجية"، ليرد البابا ليو بعبارة موجزة لافتة: "لا أخشى إدارة ترامب."

الحرب الرقمية المضادة من طهران

لم تقف إيران موقف المتفرج، بل خاضت معركة رقمية موازية، فقد نشرت السفارة الإيرانية في طاجيكستان مقطع فيديو مولدًا بالذكاء الاصطناعي يصور شخصية المسيح وهي تنزل من السماء لتوجه لكمة لترامب في وجهه، مستخدمة صورة المسيح ذاتها التي نشرها الرئيس على "تروث سوشيال" إطارًا بصريًا للمقطع، وفقًا لصحيفة "ذا هيل"، وهو ما عزز مفارقة غريبة مفادها أن المحتوى الذي نشره ترامب على منصته الخاصة بات يُستخدم في الحرب الدعائية المضادة.

بدون أرباح.. منصة تحكم العالم

من الناحية التجارية، لا يزال الغموض يكتنف أرقام "تروث سوشيال"، فالشركة الأم، ومقرها فلوريدا، لا تفصح عن بياناتها المالية بصورة كاملة، ويشير مراقبون إلى أنها على الأرجح لا تحقق أرباحًا تُذكر رغم الاهتمام الهائل بمحتواها، لكن من يقيس قيمة المؤسسات بمقياس الربح والخسارة وحده قد يخطئ التقدير؛ فمنصة تطلق حروبًا بمنشور، وتربك الأسواق بتصريح، وتشكل أجندة عناوين الصحافة العالمية يومًا بيوم، لا تُقاس قيمتها بالدولارات فقط.

وبات المؤكد أن حرب إيران أنجزت ما عجزت عنه سنوات من التطوير والتسويق: حوّلت "تروث سوشيال" من منصة يمينية ضيقة الانتشار، إلى منبر يتربص به ساسة العالم وصحفيّوه ومحللوه في انتظار "الحقيقة" التالية — أيًا كانت، وفي أي ساعة من ليل أو نهار.