الأربعاء 16 سبتمبر 2026 الموافق 05 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

«من غرفة الأخبار إلى الكونجرس».. ماذا وراء تصاعد المطالبات بإقالة هيجسيث؟

الرئيس نيوز

من الشكوك الهامسة إلى علانية العزل الصريح، ثمة لحظة في السياسة الأمريكية حين يتحول الهمس خلف الأبواب المغلقة إلى خطاب معلن على منصة الكونجرس، وتلك المحطة الحرجة هي بالضبط التي وصل إليها أخيرا ملف وزير الدفاع بيت هيجسيث. فبعد أشهر من التذمر مجهول المصدر والتصريحات المشفرة، بات المشهد في واشنطن يحمل سمة استثنائية نادرة، فاليوم هناك سياسيون من الحزب الجمهوري نفسه، حزب الرئيس الذي عين هيجسيث، يطالبون بإقالته أو عزله، وفقا لمجلة ذا تايم الأمريكية.

تيليس يشعل الفتيل: "إدارة عاجزة لم أشهد مثيلا لها"

وأطلق السيناتور الجمهوري ثوم تيليس من كارولينا الشمالية أشد خطاب علني يصوب نحو هيجسيث منذ توليه المنصب. 

كتب تيليس على منصة إكس: "لم أشهد في حياتي إدارة أكثر عجزا لرجال ونساء يخدمون بلادهم. إنه مرعوب من الكفاءة، ويلجأ إلى إذكاء الحروب الثقافية بدلا من التفرغ بجدية للدفاع الوطني وصون معنويات القوات المقاتلة." 

وأرفق تيليس بمنشوره رابطا لتقرير CBS News يرصد نحو عشرين مسؤولا عسكريا ومدنيا أقيلوا أو استقالوا منذ تسلم هيجسيث الحقيبة، من بينهم مسؤول رفيع المستوى بالجيش، دان دريسكول. والجدير بالذكر أن تيليس نفسه صوت لصالح تعيين هيجسيث في مطلع ولاية ترامب، وهو ما يجعل انقلابه عليه اليوم أكثر دلالة من أي انتقاد من جانب الحزب الديمقراطي. 

ماسي يرفع المطالبات: أوراق العزل على أرضية الكونجرس 

لم يلبث المشهد أن بلغ ذروته حين تقدم النائب الجمهوري توماس ماسي من ولاية كنتاكي بأوراق عزل رسمية ضد هيجسيث أمام مجلس النواب، في سابقة تعد الأبرز من نوعها حين يلجأ عضو في حزب الرئيس إلى هذه الأداة الدستورية في مواجهة أحد وزرائه. 

وأسس ماسي حجته على أن هيجسيث انتهك ثلاثة بنود من قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، بتنفيذه عمليات عسكرية مستمرة في إيران دون الحصول على تفويض صريح من الكونجرس. وإن كانت مواد العزل تفتقر إلى احتمالية النجاح في عزل الوزير بالفعل في ظل الأغلبية الجمهورية، فإن تقديمها وحده يرسل رسالة سياسية لا يمكن تجاهلها.

انتقادات الجمهوريين: ثقة تتآكل في الممرات الهادئة

لا يقتصر المشهد على تيليس وماسي؛ إذ كشفت صحيفة ذا هيل أن مجموعة متنامية من السيناتورات الجمهوريين باتوا يفقدون الثقة في هيجسيث، وأن بعضهم يودّ أن "ينتقل إلى وضع آخر"، وهي صياغة تقول الكثير وإن تحاشت الصراحة الكاملة. 

وقال أحد السيناتورين طالبا عدم الكشف عن هويته: "أسمع من داخل البنتاجون أن ثمة تراجعا في الثقة. وبالطبع يصل الجميع هنا في الكونجرس إلى الاستنتاجات ذاتها." كذلك علّق النائب الجمهوري دون بيكون على سلسلة الإقالات بعبارة لافتة: "الحق القانوني في الفصل لا يجعله أمرا صائبا أخلاقيا أو حكيما." 

الديمقراطيون: العزل خيار 2027

على الضفة الأخرى، يضع الديمقراطيون عيونهم على انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، مراهنين على استعادة الأغلبية في مجلس النواب لفتح ملفات العزل. 

وقال النائب جيمي راسكن من ماريلاند، المرشح لرئاسة لجنة القضاء إن فاز الديمقراطيون، بأن ترامب "ارتكب بلا شك جرائم تستوجب العزل"، فيما أكدت المرشحة الديمقراطية كايت كونلي أن هيجسيث "خطر على الأمن القومي وعار على منصبه"، مضيفة أنها ستدعم إزاحته من المنصب. وردّ السيناتور الديمقراطي مارك كيلي على تصريح تيليس بعبارة مقتضبة: "زميلي تيليس على حق تماما. هيجسيث تجاوز صلاحية الصرف." 

ترامب يتمسك والبنتاجون يدافع

في مواجهة كل هذه الضغوط، يُبدي ترامب تمسكا علنيا واضحا بهيجسيث؛ إذ أكد المتحدث الرسمي للبنتاجون شون بارنيل أن الرئيس ووزير الحرب "متحدان 100% في تنفيذ أجندة أمريكا أولا"، واصفا الانتقادات بأنها "مدفوعة بمصادر مجهولة تسعى لزرع الفتنة." 

كما أكد نائب الرئيس جيه دي فانس أن هيجسيث ودريسكول كليهما صديقاه، مشيرا إلى أن ما يجري في البنتاجون يخدم "التحول الثقافي" المنشود. لكن هذا الدفاع الرسمي يصطدم بحقيقة مؤلمة؛ فحين يتقدم جمهوري بأوراق عزل ضد وزير جمهوري في زمن الحرب، فإن شيئا ما بات يتصدع خارج نطاق البيانات الرسمية.

جوهر الأزمة: البنتاجون بلا قيادة مستقرة

وراء كل هذا الصخب السياسي تقبع أزمة مؤسسية أعمق؛ فالجيش الأمريكي يخوض حربا مفتوحة مع إيران، وقد فقد في ظل هيجسيث نصف جنرالاته من أربعة نجوم، من عشرة إلى خمسة، فضلا عن عشرين مسؤولا رفيعا على مدى أشهر. في هذا السياق تحديدا، تتحول المطالبات بالإقالة من موقف سياسي إلى تساؤل جدي عن قدرة البنتاجون على إدارة صراع حربي بهذا الحجم وهذا التعقيد في ظل قيادة مضطربة.