الجمعة 26 يونيو 2026 الموافق 11 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

ما بعد الوصاية.. هل يفك الشرق الأوسط ارتباطه بالقوى العظمى؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يعد الشرق الأوسط كما عرفه العالم طوال القرن الماضي، فالمنطقة التي صاغ الجغرافي والاستراتيجي الأمريكي ألفريد ثاير ماهان اسمها في عام 1902 م، باعتبارها مساحة تخدم المصالح الإمبراطورية البريطانية، ثم تحولت بعد الحرب العالمية الثانية إلى إحدى ركائز النفوذ الأمريكي العالمي، تبدو اليوم على أعتاب مرحلة مختلفة، وفقًا لمجلة فورين بوليسي.

وأوضحت المجلة أن الحرب الأخيرة مع إيران لم تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل سلطت الضوء أيضا على تغيرات أعمق تمس طبيعة النظام الإقليمي نفسه، في وقت تتراجع فيه قدرة القوى الكبرى على إدارة المنطقة بالأساليب التقليدية. 

وتشير المجلة إلى أن الشرق الأوسط قد يكون بصدد الانتقال من مرحلة الاعتماد على الضامنين الخارجيين إلى مرحلة يسعى فيها لاعبوه إلى صياغة ترتيباتهم الأمنية والسياسية بأنفسهم. 

الاقتصاد اتجه شرقًا.. والأمن بقي غربًا

على امتداد عقود، استندت معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط إلى وحدة الاقتصاد والأمن تحت المظلة الأمريكية، فقد ضمنت الولايات المتحدة أمن الملاحة البحرية، وحمت طرق الطاقة، ورسخت نظام البترودولار، بينما كانت العلاقات الاقتصادية للدول الإقليمية تدور في الفلك الغربي، إلا أن هذه المعادلة بدأت تتفكك تدريجيًا مع صعود الصين وتنامي حضورها الاقتصادي.

فمنذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، تحولت بكين إلى أكبر شريك تجاري للعالم العربي، بعدما ارتفع حجم التبادل التجاري من نحو 36 مليار دولار عام 2004 إلى ما يقارب 400 مليار دولار في 2024. 

وفي المقابل، ما زالت الولايات المتحدة تحتفظ بشبكة واسعة من القواعد العسكرية وتتحمل الجزء الأكبر من أعباء الأمن الإقليمي، وهكذا بات الاقتصاد يتحرك في اتجاه، بينما بقيت المظلة الأمنية في اتجاه آخر، وهو انفصال لم تعرفه المنطقة من قبل. 

أزمة هرمز كشفت الخلل

كشفت الحرب على إيران حجم هذا التناقض بصورة غير مسبوقة، فإغلاق مضيق هرمز لم يهدد الولايات المتحدة بقدر ما هدد الصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على النفط العابر من المضيق. 

وفي المقابل، كانت البحرية الأمريكية هي التي تحملت العبء الأكبر في حماية الملاحة الدولية، بينما تستفيد الاقتصادات الآسيوية من استمرار تدفق الطاقة.

وتشير المجلة إلى أن واشنطن طلبت من حلفائها، ومن بينهم دول في حلف الناتو إلى جانب اليابان وكوريا الجنوبية وحتى الصين، المشاركة في تأمين المضيق، لكن الجميع أحجم عن تحمل هذا العبء، لتبقى الولايات المتحدة اللاعب الأمني الوحيد في منطقة لم تعد صاحبة النصيب الأكبر من مكاسبها الاقتصادية. 

دبلوماسية مباشرة بلا وسطاء

في ظل هذا الواقع، بدأت دول الشرق الأوسط تعتمد بصورة متزايدة على الحوار المباشر بدلا من الوساطات التقليدية التي كانت تقودها القوى الكبرى، وتصف فورين بوليسي هذه الظاهرة بأنها "إلغاء الوساطة"، حيث تتفاوض الدول مع بعضها البعض دون انتظار تدخل واشنطن أو غيرها.

وتستشهد المجلة بعدد من المؤشرات، أبرزها استمرار التقارب السعودي الإيراني، وتحسن العلاقات بين تركيا ودول الخليج، وعودة التواصل العربي مع سوريا، فضلا عن تنامي قنوات الاتصال بين القاهرة والرياض وطهران وأنقرة وأبوظبي والدوحة، وتكشف هذه التحركات عن رغبة متزايدة في إدارة الخلافات داخل الإقليم بدلا من تصديرها إلى العواصم الدولية. 

نظام إقليمي جديد قيد التشكل

وفي هذا السياق، برزت مبادرات تسعى إلى بناء قواعد أمنية إقليمية أكثر استقلالا، من بينها المقترح السعودي الخاص بميثاق لعدم الاعتداء، المستلهم جزئيا من تجربة اتفاقيات هلسنكي الأوروبية، ورغم اختلاف المواقف بشأن فرص نجاحه، فإن مجرد طرحه يعكس إدراكا متزايدا بأن المنطقة تحتاج إلى آليات جديدة لإدارة الأزمات بعيدا عن نماذج الاستقطاب التقليدية.

وترى المجلة أن الهدف ليس إنشاء نظام إقليمي مغلق أو الانفصال عن العالم، وإنما تأسيس بيئة تسمح للدول باحتواء الأزمات عبر الحوار المباشر، وتقليص الاعتماد على التدخلات الخارجية، والحد من الصراعات بالوكالة، وبناء قدر أكبر من الثقة المتبادلة. 

عقبات قديمة في طريق مشروع جديد

لكن الطريق نحو هذا التحول ليس سهلا. فالتاريخ الإقليمي حافل بمحاولات تكامل انتهت إلى الفشل، سواء داخل جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي، بسبب المنافسات السياسية وتضارب المصالح، إضافة إلى الاعتماد المستمر على الضمانات الأمنية الأمريكية.

إلا أن المتغير الجديد، بحسب فورين بوليسي، يتمثل في أن واشنطن لم تعد تمتلك القدرة ذاتها على لعب دور الضامن المطلق كما في العقود السابقة، كما أن أولوياتها الاستراتيجية باتت تتجه بصورة متزايدة نحو آسيا ومواجهة الصين، وهو ما يدفع دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات أكثر اعتمادا على الذات. 

لحظة حاسمة في تاريخ المنطقة

تخلص المجلة إلى أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما أن تنجح دوله في بناء منظومة إقليمية أكثر توازنا وقدرة على إدارة الأزمات، أو تستمر المنطقة ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الكبرى. 

وبين هذين الخيارين، تبدو الحرب الأخيرة على إيران أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ إنها لحظة كشفت أن النظام الذي حكم الشرق الأوسط لعقود طويلة يقترب من نهايته، وأن مرحلة جديدة بدأت ملامحها تتشكل، حتى وإن كانت لا تزال مليئة بالتحديات وعدم اليقين.