كيف نجحت القاهرة في الحفاظ على قنوات مفتوحة مع واشنطن وبكين وموسكو؟
في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتتعمق المواجهة بين روسيا والغرب، بينما يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل واسعة لتحالفاته وموازين قواه، تبدو مصر وكأنها استعادت مكانة خاصة في الحسابات الدولية. فهي ليست قوة عظمى بالمعنى التقليدي، لكنها أصبحت دولة يجد الجميع صعوبة في تجاوزها عند التعامل مع قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، وفقا لموقع أفريكا ريبورت.
القاهرة في قلب التحولات الدولية
ووفقا لـ"أفريكا ريبورت"، فإن أحد أبرز ملامح النظام الدولي الحالي هو تزايد أهمية القوى المتوسطة القادرة على التواصل مع أطراف متنافسة في الوقت نفسه. وفي هذا السياق نجحت القاهرة في ترسيخ موقعها كطرف يحتفظ بعلاقات فاعلة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول الخليج وأوروبا دون أن يتحول إلى جزء كامل من أي محور دولي.
هذه القدرة على الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الجميع منحت مصر مساحة أوسع للمناورة في وقت باتت فيه خيارات كثير من الدول أكثر تقييدا بفعل الاستقطاب الدولي المتصاعد.
لم يكن هذا الدور سوى ثمرة سياسة اعتمدت على تنويع الشراكات وتجنب الاعتماد المفرط على طرف واحد. فبينما حافظت القاهرة على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، وسعت في الوقت نفسه علاقاتها مع موسكو وبكين، كما عززت تعاونها مع القوى الخليجية والأوروبية. ويظهر هذا النهج بوضوح في ملف التسليح، حيث اتجهت مصر إلى تنويع مصادر السلاح بما يمنحها هامشا أكبر من الاستقلالية بشأن القرارات السياسية والاستراتيجية.
الجغرافيا تصنع النفوذ
لكن السياسة ليست وحدها ما يمنح مصر هذه الأهمية. فموقع مصر الجغرافي يظل أحد أهم عناصر قوتها. فالقاهرة تتحكم في قناة السويس، أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، وتقع عند نقطة التقاء البحرين الأحمر والمتوسط، ما يجعلها لاعبا أساسيا في حركة التجارة الدولية.
ومع تزايد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية، اكتسب هذا الموقع أهمية إضافية بالنسبة للقوى الكبرى التي تنظر إلى استقرار مصر باعتباره جزءا من استقرار الاقتصاد العالمي نفسه.
نفوذ يتجاوز الحدود
كما أن أهمية مصر لا ترتبط بالجغرافيا فقط، بل بالدور الذي تلعبه في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة.
ففي ليبيا تظل طرفا مؤثرا في معادلات الاستقرار، وفي السودان تتابع التطورات باعتبارها قضية أمن قومي، بينما تحتفظ بدور محوري في جهود الوساطة والتهدئة في غزة. هذه الملفات مجتمعة جعلت من القاهرة شريكا لا يمكن تجاوزه بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية الباحثة عن إدارة الأزمات أو احتوائها.
قوة تواجه تحدياتها
لكن هذه المكانة لا تخفي حقيقة أن مصر تواجه تحديات داخلية كبيرة. فالاقتصاد ما زال يواجه ضغوطا مرتبطة بالدين والتضخم والحاجة إلى تحقيق نمو أكثر استدامة، كما أن الأزمات المحيطة بها تفرض أعباء إضافية على موارد الدولة وقدرتها على الحركة.
ولهذا ترى بعض الدراسات أن استمرار النفوذ المصري على المدى الطويل يتوقف على قدرة القاهرة على معالجة التحديات الاقتصادية الهيكلية وتحويل وزنها الجيوسياسي إلى قوة اقتصادية أكثر رسوخا.
فن التعامل مع الجميع دون الانحياز إلى أحد
ربما يكون هذا هو المفتاح الحقيقي لفهم السياسة المصرية الحالية. فالقاهرة لا تقدم نفسها باعتبارها جزءا من معسكر ضد آخر، بل تسعى إلى الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف قدر الإمكان.
وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، تمنح هذه المقاربة مصر قيمة إضافية لدى القوى الكبرى التي تبحث عن شركاء قادرين على التواصل مع الجميع. غير أن الحفاظ على هذا التوازن سيبقى اختبارا دائما، خصوصا إذا اشتدت المنافسة الدولية خلال السنوات المقبلة وازدادت الضغوط على الدول لاختيار مواقعها داخل النظام العالمي الجديد، كما ترجح ورقة بحثية لمركز بيلفر بجامعة هارفارد الأمريكية.
ولا تكمن أهمية مصر في أنها الأقوى اقتصاديا أو عسكريا في المنطقة، بل في قدرتها على توظيف الجغرافيا والدبلوماسية وشبكة العلاقات المتنوعة لصناعة نفوذ يتجاوز حجم مواردها المباشرة. والسؤال الذي سيحدد مستقبل هذا الدور هو ما إذا كانت القاهرة قادرة على تحويل هذه المكانة الجيوسياسية إلى قوة اقتصادية مستدامة تضمن استمرارها في موقع الدولة التي لا يستطيع الجميع تجاهلها.