الجمعة 26 يونيو 2026 الموافق 11 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الذكاء الاصطناعي يدخل ساحات الحرب.. 2000 هدف خلال 96 ساعة في عمليات ضد إيران

الرئيس نيوز

كتب الذكاء الاصطناعي صفحة جديدة في تاريخ الحروب الحديثة، بعدما كشف كاميرون ستانلي، المسؤول بوزارة الدفاع الأمريكية، في شهادة تحت القسم أمام المحكمة، أن الجيش استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوجيه أكثر من ألفي ذخيرة إلى ألفي هدف مستقل خلال 96 ساعة فقط أثناء العمليات العسكرية الأخيرة ضد إيران، وفقا لتحليل نشرته مجلة “تاسك آند بيربوس” الأمريكية.

ويعكس هذا الرقم المثير حجم التحول الذي تشهده ساحات القتال، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في جمع المعلومات، بل أصبح عنصرا رئيسيا في تسريع دورة الاستهداف واتخاذ القرار العسكري، ومع ذلك، تؤكد واشنطن أن هناك خطا أحمر لم تُسمح الآلة بتجاوزه بعد، وهو اتخاذ قرار استخدام القوة المميتة بصورة مستقلة.

تسريع القرار.. لا استبدال الإنسان

داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، يسود اتفاق واضح على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يعزز قدرات القادة لا أن يحل محلهم. فالجيوش الحديثة تتعامل يوميا مع كم هائل من صور الأقمار الصناعية، واعتراضات الاتصالات، وبيانات الاستطلاع، وهي معلومات يستحيل على البشر تحليلها بالسرعة المطلوبة. 

وهنا تظهر قيمة الذكاء الاصطناعي في فرز البيانات وربطها واقتراح الأهداف المحتملة خلال دقائق بدلا من ساعات أو أيام، بما يمنح القوات ميزة عملياتية حاسمة دون أن ينتزع من الإنسان حقه في اتخاذ القرار النهائي.

أين ينتهي دور الآلة؟

يرى قادة عسكريون أمريكيون سابقون أن النقاش الحقيقي لا يدور حول استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل حول حدود هذا الاستخدام، فالتمييز الجوهري يكمن بين أن يدعم الذكاء الاصطناعي سلسلة الاستهداف وبين أن يتحكم فيها بالكامل. 

فمنذ سنوات، تعتمد القوات الأمريكية على أنظمة آلية للمراقبة والتوجيه، إلا أن القرار النهائي باستخدام القوة القاتلة يظل مسؤولية بشرية خالصة، ويُعد هذا المبدأ حجر الأساس في العقيدة العسكرية الأمريكية، ليس فقط لأسباب أخلاقية، ولكن أيضا لضمان المساءلة القانونية عن نتائج العمليات العسكرية.

درس الألغام الأرضية

يستحضر خبراء الدفاع تجربة الألغام الأرضية بوصفها مثالا مبكرا على مخاطر منح السلاح قدرة مستقلة على القتل. فبمجرد زرع اللغم، يفقد الإنسان السيطرة على قراره، ولا يعود قادرا على التمييز بين مقاتل ومدني أو بين صديق وعدو. 

ورغم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية أكثر تطورا بكثير، فإن الدرس يبقى واحدا: أي منظومة قتالية مستقلة تحتاج إلى بيانات دقيقة، وآليات تحقق صارمة، وإشراف بشري مستمر، وإلا تحولت الأخطاء التقنية إلى كوارث إنسانية.

سباق التسلح يتجاوز القوانين

ورغم تمسك واشنطن بالإشراف البشري، فإن المخاوف تتزايد من أن خصومها لا يلتزمون بالقيود نفسها. 

وتشير تقديرات عسكرية أمريكية إلى أن الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران تعمل على تطوير منظومات قادرة على رصد الأهداف وإطلاق النار بصورة شبه تلقائية اعتمادا على مستشعرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي. 

ويثير هذا الواقع معضلة استراتيجية؛ فكلما تمسكت الولايات المتحدة بضوابط أخلاقية أكثر صرامة، زادت المخاوف من أن تجد نفسها في مواجهة خصوم لا يعترفون بهذه الحدود.

تشريعات تلاحق التكنولوجيا

سياسيا، تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تسريع دمج الذكاء الاصطناعي في مؤسسات الأمن القومي، فقد وجهت المذكرة الأمنية الرئاسية رقم 11 وزارة الدفاع إلى تحديث سياساتها الخاصة بأنظمة الأسلحة الذاتية، مع توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات العسكرية، إلا أن خبراء قانونيين يرون أن سرعة التطور التقني تتجاوز قدرة التشريعات على مواكبته، وأن الإطار القانوني المنظم لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات القتالية لا يزال مليئا بالثغرات والأسئلة غير المحسومة.

معركة تتجاوز ساحات القتال

وتعكس المواجهة بين وزارة الدفاع الأمريكية وشركة “أنثروبيك” حجم الانقسام داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي العسكري، فقد رفضت الشركة السماح باستخدام نماذجها في أنظمة الأسلحة الفتاكة أو برامج المراقبة الجماعية، وهو ما أدى إلى إنهاء عقد ضخم مع البنتاجون ودخول الطرفين في نزاع قانوني. 

وأعادت هذه القضية إلى الواجهة سؤالا أكثر عمقا: هل يجب أن تحدد شركات التكنولوجيا حدود الاستخدام العسكري لابتكاراتها، أم أن هذا القرار يظل من اختصاص الحكومات وحدها؟ وهو السؤال الذي طرحته صحيفة “واشنطن بوست”.

حرب المستقبل تبدأ من قرار واحد

يكشف الجدل الدائر في واشنطن أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات أو اقتراح الأهداف، بل في اللحظة التي قد تنتقل فيها سلطة القتل من الإنسان إلى الخوارزميات، وحتى الآن، لا تزال الولايات المتحدة تصر على أن يبقى الإنسان داخل دائرة القرار النهائي.

مخاوف حول موثوقية قرار الاستهداف

وزادت المخاوف بشأن موثوقية قرارات الاستهداف بعد تقارير عن ضربة أمريكية استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران خلال مارس 2026، وأسفرت عن مقتل 175 شخصا، معظمهم من الطالبات. 

ورغم أن الجدل تركز على دور الذكاء الاصطناعي في سلسلة الاستهداف، رأى خبراء قانونيون أن المشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في آليات اختيار الأهداف واتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية.

وخلص تحليل نشره موقع “Lawfare” الأمريكي إلى أن الخلل الأساسي يعود إلى عملية صنع القرار العسكري، وليس إلى وجود الذكاء الاصطناعي ضمنها، ما أعاد فتح النقاش حول حدود الاعتماد على التقنيات الذكية في العمليات القتالية وضرورة الإبقاء على رقابة بشرية صارمة في جميع مراحل استخدام القوة المميتة.