الخميس 11 يونيو 2026 الموافق 25 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

خزانات مياه أثرية تكشف أسرار ميناء عيذاب.. بوابة مصر التاريخية إلى التجارة العالمية

اكتشاف أثري
اكتشاف أثري

في اكتشاف أثري جديد يعيد إحياء صفحات مهمة من تاريخ الملاحة والتجارة في المنطقة، أعلنت وزارة السياحة والآثار  العثور على مجموعة من خزانات المياه والمنشآت الخدمية داخل موقع ميناء عيذاب التاريخي على الساحل الغربي للبحر الأحمر، بالقرب من الحدود المصرية السودانية. ويُنظر إلى هذا الكشف باعتباره خطوة مهمة لفهم الدور الذي لعبه الميناء كأحد أبرز المراكز التجارية والحضارية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، وأفردت صحيفة جيروزاليم بوست تقريرا لمتابعة الكشف الأثري المهم.

عيذاب.. شريان التجارة بين القارات

على مدى قرون طويلة، شكّل ميناء عيذاب نقطة وصل استراتيجية بين مصر وشرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وآسيا، ما جعله أحد أهم الموانئ المطلة على البحر الأحمر. ولم يكن الميناء مجرد محطة لنقل البضائع، بل مركزًا حيويًا للتبادل التجاري والثقافي، حيث عبرت من خلاله السلع الثمينة والتوابل والمعادن والمنتجات القادمة من مناطق بعيدة، قبل أن تُنقل عبر وادي النيل إلى أسواق مصر والبحر المتوسط.كما اكتسب الميناء أهمية دينية خاصة، إذ استقبل أعدادًا كبيرة من الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي في طريقهم إلى الأراضي المقدسة، الأمر الذي جعله مركزًا نابضًا بالحركة الاقتصادية والإنسانية على مدار العام.

هندسة متطورة لمواجهة قسوة الصحراء

وكشفت أعمال الحفر والتنقيب عن خزان مياه رئيسي يبلغ طوله نحو 15 مترًا وعرضه أكثر من ثلاثة أمتار وارتفاعه قرابة ثلاثة أمتار. وتم بناء الخزان باستخدام الحجر الرملي والشعاب المرجانية المحلية، قبل تغطيته بطبقة من الحجر الجيري لضمان العزل وتقليل فقدان المياه.

ويعكس هذا التصميم مستوى متقدمًا من المعرفة الهندسية وإدارة الموارد الطبيعية، خاصة أن المنطقة تقع في نطاق صحراوي شديد الجفاف. وتؤكد هذه المنشآت أن سكان عيذاب طوروا حلولًا فعالة لتأمين احتياجات الميناء من المياه، بما يضمن استمرار النشاط التجاري واستقبال المسافرين والقوافل والسفن القادمة من مختلف الجهات.

شبكة مائية متكاملة تدعم النشاط التجاري

ولم يقتصر الكشف على خزان واحد، إذ عثر الباحثون أيضًا على عدد من الخزانات الأخرى جنوب الموقع، ما يشير إلى وجود منظومة متكاملة لتخزين المياه وتوزيعها داخل المدينة والميناء.

وتبرز أهمية هذه الشبكة في كون المياه كانت عنصرًا حاسمًا لاستمرار الحياة في الميناء. فالسفن البحرية والقوافل التجارية كانت تحتاج إلى التزود بالمياه بشكل منتظم، كما أن آلاف الحجاج والمسافرين الذين مروا بالميناء عبر القرون اعتمدوا على هذه المنشآت الحيوية خلال رحلاتهم الطويلة.

مدينة مزدهرة خلف أسوار الميناء

كما أسفرت الدراسات الميدانية عن اكتشاف بقايا مبانٍ سكنية وأبراج مراقبة ومنشآت خدمية متعددة كانت تنتشر في محيط الميناء. وتشير هذه المكتشفات إلى أن عيذاب لم يكن مجرد مرسى للسفن، بل مدينة متكاملة تضم مرافق إدارية وأمنية وخدمية تخدم السكان والتجار والزوار.

وتمنح هذه الآثار الباحثين صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة الحياة اليومية في المدينة، وكيف كانت تُدار الحركة التجارية والأمنية في أحد أكثر موانئ البحر الأحمر نشاطًا خلال العصور الوسطى.

الخزف الصيني يروي قصة تجارة عالمية

ومن أبرز الاكتشافات التي عُثر عليها خلال أعمال التنقيب شظايا فخارية تعود إلى العصر الفاطمي بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين، إلى جانب قطع من الخزف الصيني المستورد.

وتحمل هذه القطع الأثرية دلالات اقتصادية وتاريخية بالغة الأهمية، إذ تؤكد أن عيذاب كان جزءًا من شبكة تجارة عالمية واسعة ربطت مصر بمناطق بعيدة في آسيا. كما تعكس حجم التبادل التجاري والثقافي الذي شهدته المنطقة، وتبرز المكانة التي احتلتها الموانئ المصرية على طرق التجارة الدولية.

ويعتبر وجود الخزف الصيني دليلًا ماديًا على ازدهار الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر، وعلى الدور الذي لعبته مصر كحلقة وصل رئيسية بين أسواق الشرق والغرب.

إعادة اكتشاف تاريخ البحر الأحمر

ومع استمرار أعمال التنقيب والدراسة في موقع عيذاب، يتوقع علماء الآثار الكشف عن مزيد من الشواهد التي ستساعد في إعادة رسم صورة أكثر اكتمالًا لحركة التجارة والحج والتواصل الحضاري عبر البحر الأحمر. ويظل ميناء عيذاب شاهدًا استثنائيًا على حقبة ازدهار جعلت من مصر مركزًا محوريًا في شبكة التجارة العالمية القديمة، وجسرًا حضاريًا ربط بين قارات وثقافات متعددة عبر مئات السنين.