الخميس 11 يونيو 2026 الموافق 25 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
فن ومنوعات

آلام منسية وعظام مكسورة.. تقنيات الأشعة المقطعية والطباعة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار المومياوات المصرية القديمة

الرئيس نيوز

في صباح بارد من الشتاء الماضي، استقبل مستشفى كيك التابعة لجامعة ساوث كاليفورنيا (USC) في لوس أنجلوس اثنتين من المومياوات المصرية القديمة. لم تكن زيارتهما للعلاج بالطبع، بل لشيء أكثر إثارة، إذ خضعتا لفحص طبي متكامل بأحدث تقنيات التصوير المقطعي، بعد أكثر من ألفين ومئتي عام على رحيلهما، وفقا لموقع الجامعة على الويب.

ضيق الوقت وسعة الاكتشافات

أشرفت على العملية البحثية الدكتورة سومر ديكر، أستاذة الأشعة السريرية في كلية كيك للطب، وهي أيضًا المديرة المؤسسة لمركز جامعة ساوث كاليفورنيا للابتكار في التصوير الطبي.

واختارت ديكر أحدث أجهزة التصوير المقطعي في المستشفى، القادر على التقاط 320 شريحة تصويرية في كل دورة، وضبطته على دقة نصف ملليمتر - بسمك حبة رمل- لئلا يفوتها أي تفصيل مهما كان دقيقا.

وكان الوقت عاملًا ضاغطًا؛ إذ كان على المومياوين أن يعودا إلى مركز كاليفورنيا للعلوم بحلول الساعة الواحدة ظهرًا، لينضما إلى معرض "مومياوات العالم" الذي افتتح في السابع من فبراير الماضي. ولهذا منحت الفرقة البحثية ساعات معدودة لاستخلاص ما أمكن من أسرار مختومة لأكثر من ألفين من السنين.

نس-مين ونس-حور: كاهنان يعودان للحياة

المومياء الأولى هي نس-مين، الذي كان كاهنا عاش قرابة عام 330 قبل الميلاد، والثانية نس-حور الذي عاش نحو 190 قبل الميلاد. التقطت كاميرات التصوير من كل منهما خمسة وعشرين ألف صورة، مقابل ألف صورة في فحص الإنسان الحي العادي. 

وجلس الدكتور جوناثان فورد، المدير المساعد للمركز وزميل ديكر، يحوّل هذه الصور لحظة بلحظة إلى نماذج ثلاثية الأبعاد على شاشته. ما تكشّف كان مذهلًا: أُذنا نس-حور وجفناه وملامح وجهه بجلاء تام، ودليل على كسر في الورك لم يلتئم قبل وفاته بسنوات، وتدهور في أسنانه. أما نس-مين، فكشفت الصور كسرًا انضغاطيًا في فقرته القطنية الثانية كان لا بد أنه سبّب له آلامًا حادة طوال حياته.

اكتشاف قد يعيد كتابة التاريخ

لكن الإثارة الكبرى جاءت حين لاحظ الباحثان خلف الفقرة المكسورة لنس-مين ثقبًا صغيرًا في العظم لا يمكن أن يكون طبيعي المنشأ. أظهرت الصور المدققة آثار أدوات جراحية وعلامات التئام، وكان شكل الثقب متسقًا مع ما يعرف جراحيا بـ"الحفر العظمي"، وهي ممارسة جراحية قديمة كانت تجرى على الجمجمة لتخفيف الضغط والألم. غير أن إجراءها على العمود الفقري — إن أكد المختصون ذلك — قد يكون أول توثيق معروف لجراحة عمود فقري في مصر القديمة.

وعلق فور قائلا: "أمضينا الأسابيع التالية نحدق في تلك الصور ونرسلها إلى متخصصي المومياوات في العالم"، قالت ديكر، "لم يسبق لأحد أن رأى شيئًا كهذا في العمود الفقري."

من الشاشة إلى اليد

لم يتوقف الأمر عند الصور الرقمية؛ إذ طبع الباحثان بطابعات طبية ثلاثية الأبعاد نسخًا بالحجم الطبيعي من الفقرة المكسورة ومفصل الورك التالف وتمائم العنبر الموضوعة على صدر نس-مين. حين أمسكت ديكر بالتمائم المطبوعة، خطر لها أن هذه هي المرة الأولى منذ ألفين وثلاثمئة عام التي تمسك فيها يد بهذه الأشياء. تعرض هذه النسخ اليوم إلى جانب المومياوين في مركز كاليفورنيا للعلوم، لتمنح الزوار تجربة لمسية حقيقية مع الماضي السحيق.

الابتكار رهان مفتوح

تؤمن ديكر بأن كل قفزة تقنية تستوجب إعادة النظر في القديم بعيون جديدة؛ تمامًا كما أتاح تحليل الحمض النووي حلّ جرائم وقعت قبل اختراعه. وهي تعلم أن ما تستخدمه اليوم سيغدو عتيقًا قريبًا. "ثمة شيء جديد سيخرج العام القادم أو الذي بعده، وسيغير كل شيء." حتى ذلك الحين، تبقى الرسالة الأعمق من هذا الاكتشاف إنسانية خالصة: هذان الكاهنان عانيا من آلام الظهر وأوجاع الأسنان وكسور العظام، وأحبهما أناس أولوهما عناية في مماتهم كما في حياتهم.