الجمعة 05 يونيو 2026 الموافق 19 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

صدام المصالح ينذر بمأزق استراتيجي وفراق جوهري بين واشنطن وتل أبيب

أرشيفية
أرشيفية

قال المحلل الاستراتيجي الأمريكي جورج فريدمان، مؤسس جيوبوليتيكال فيوتشرز، إن التطورات التي شهدها الشرق الأوسط منذ بداية يونيو قد تعكس وجود تباين متزايد في الأهداف والمصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وخلال ظهوره في بودكاست "جيه بي إف"، أشار فريدمان إلى أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تمر بمرحلة تستحق المتابعة، موضحًا أن الاختلافات المحتملة في الرؤى الاستراتيجية تجاه بعض ملفات الشرق الأوسط قد تكون لها انعكاسات مهمة على التوازنات الإقليمية خلال الفترة المقبلة.

ورأى أن ما يحدث قد يمثل مؤشرات أولية على إعادة صياغة بعض أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى تغيرات في طبيعة التنسيق بين الجانبين بشأن عدد من القضايا الأمنية والسياسية.

جورج فريدمان: كل طرف يريد شيئًا مختلفًا

يقول فريدمان صراحةً، إن الولايات المتحدة " تريد الخروج من هذه الحرب، وتشترط إيران للخروج أن يسود السلام في لبنان. أما إسرائيل فلا تستطيع أن تقبل بوجود حزب الله على حدودها، لذا تمضي في توغلها. 

ويكشف هذا عن تباين جذري بين ما تريده الولايات المتحدة وما تضطر إليه إسرائيل." ويضيف فريدمان أن كلا الطرفين جمعهما هدف التخلص من السلاح النووي الإيراني، غير أن واشنطن وجدت نفسها في موقف لم تُدمَّر فيه الأسلحة النووية، فيما تنتهك المبادئ الجوهرية التي قامت عليها حملة ترامب: “وقف الحروب المتواصلة في المنطقة”.

ويرى فريدمان أن هذا التناقض يجعل أي تسوية دائمة شبه مستحيلة ما لم تتخلَّ إحدى العاصمتين عن أولوياتها الاستراتيجية الجوهرية.

تاريخ من الخلافات لا ينتهي

واستحضر مراسل الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية  للشؤون الأمنية، جريج ماير، مشهدًا مشابهًا من مطلع التسعينيات، حين انفجر وزير الخارجية جيم بيكر أمام الكونجرس مخاطبًا الإسرائيليين: "حين تكونون جادين في السلام، اتصلوا بي على هذا الرقم"، ثم أملى عليهم رقم البيت الأبيض علنًا. 

ويلاحظ المحلل أرون دافيد ميلر، الذي خدم مستشارًا في إدارات جمهورية وديمقراطية، أن الرأي العام الأمريكي لم يعد ينظر إلى إسرائيل بوصفها "داود" الضعيف، بل باتت في نظره "جالوت" القوي. 

ويعكس هذا التحول تآكلًا تدريجيًا في رصيد إسرائيل الشعبي لدى شرائح أمريكية واسعة، بما فيها قاعدة من الناخبين الشباب والشعبويين الذين يشكّلون جزءًا متناميًا من قاعدة ترامب ذاتها.

مكالمة تكسر الصورة النمطية لتحالف تاريخي

في هذا السياق جاءت مكالمة الأول من يونيو لتجسد هذا الافتراق بشكل دراماتيكي، انفجر ترامب في وجه نتنياهو بعد أن هددت إيران بالانسحاب من مفاوضات وقف إطلاق النار ردًا على التصعيد الإسرائيلي في لبنان، ووصفه بأنه "مجنون" واتهمه بالجحود. 

وقال مسؤول أمريكي ملخصًا كلام ترامب: "أنت مجنون تمامًا. كنت ستكون في السجن لولا تدخلي. أنا أنقذ وضعك. الجميع يكرهونك الآن. الجميع يكره إسرائيل بسببك." وبعد انتهاء المكالمة، ألغى نتنياهو الضربات المخططة على بيروت، ونشر ترامب على تروث سوشيال أن محادثات إيران "تسير بوتيرة متسارعة." 

أوراق الضغط الأمريكية

يؤكد ماير أن إسرائيل تعتمد اعتمادًا كليًا على المنظومات الدفاعية الأمريكية لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وأن طائراتها الحربية من طرازَي F-16 وF-35 أمريكية الصنع، وأن استمرار أي عمليات عسكرية مطولة يظل رهينًا بالإمداد الأمريكي المتواصل.

ويدرك ترامب هذه الورقة جيدًا، غير أن الحزب الجمهوري لا يزال يدعم إسرائيل على نطاق واسع، مما يجعل أي تهديد بوقف الدعم العسكري خطوةً بالغة الحساسية السياسية.

تتباين الأهداف بين العاصمتين

تسعى الإدارة الأمريكية إلى صفقة نووية مع طهران تُعلن نجاحًا دبلوماسيًا وتهدئةً إقليمية تحمي ممرات الطاقة وتخفف من شكوى حلفاء الخليج. وإن اشترطت إيران وقفًا حقيقيًا للنار في لبنان، فلن يتردد ترامب في إجبار نتنياهو على الامتثال. 

وفي المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية متصاعدة ويسعى إلى أهداف عسكرية بعيدة المدى لا تشاركه واشنطن في كثير منها. 

وانتقد بينيت وإيزنكوت وبن غفير نتنياهو لتراجعه أمام ترامب، في وقت يدعم فيه ثلثا اليهود الإسرائيليين مواصلة الحرب لتفكيك البرنامج النووي والصاروخي الإيراني كليًا، وفقا لشبكة فوكس نيوز.

إسرائيل أصغر من أن تقاوم

يخلص فريدمان إلى معادلة صارمة؛ مؤداها توقع شبه مؤكد بأن: “كل العلاقات تنهار على المدى البعيد. وأن تباين المصالح من طبيعة الأشياء، وتبقى إسرائيل أصغر من أن تقاوم الولايات المتحدة”.

وتكمن المفارقة الكبرى في أن أي اتفاق أمريكي-إيراني سيُبقي النظام الإيراني في السلطة أكثر تماسكًا مما كان عليه قبل الحرب، ويمنحه ورقة جديدة يلوّح بها مستقبلًا، وهو ما يراه نتنياهو وخصومه على حدٍّ سواء خسارةً استراتيجية مهما بدت في الظاهر انتصارًا.

ويجمع المحللون على خلاصة واحدة؛ فقد قام هذا التحالف على مصالح متقاطعة لحظية لا على رؤية مشتركة، وحين تنتهي اللحظة تبدأ الحسابات، كما ترجح مجلة فورين بوليسي.