بعد 8 سنوات.. حكم قضائي يفتح الباب أمام إثبات نسب أطفال وُلدوا نتيجة الاغتصاب
تقترب قضية شديدة الحساسية في مصر من نقطة تحول وانفراجة قانونية كبرى، بعدما أصدرت محكمة استئناف حكما تاريخيا اعترف بأبوة رجل أدين باغتصاب طفلة حملت منه، مستندة جزئيا إلى فحص الحمض النووي. وقد يفتح الحكم، إلى جانب فتوى صادرة عن الأزهر، الطريق أمام تغيير القواعد القانونية التي حالت لسنوات دون حصول أطفال ولدوا خارج إطار الزواج على شهادات ميلاد وحقوقهم المدنية الأساسية، وفق آراب ويكلي اللندنية.
معركة استمرت ثمانية أعوام
تعود القضية إلى عام 2018، عندما تعرضت المجني عليها أ. ع.، وكانت لا تزال في سن الدراسة، للاغتصاب على يد أحد زملائها في المدرسة. وبعد أربع سنوات، أُدين المعتدي جنائيا، لكن إدانته لم تحسم تلقائيا مسألة نسب الطفلة التي وُلدت نتيجة الجريمة.
وبموجب القواعد المرتبطة بقانون الأحوال الشخصية، واجهت الطفلة عقبة قانونية حالت دون استخراج شهادة ميلاد رسمية لها، لأنها ولدت خارج إطار الزواج. ورغم التحاقها بالمدرسة، لم تتمكن من أداء الامتحانات بصورة رسمية، كما حُرمت من الوصول الكامل إلى عدد من الخدمات العامة المرتبطة بالهوية القانونية.
وتقول المجني عليها، البالغة 27 عاما، إن حياتها ظلت معلقة بين المحاكم لسنوات، قبل أن تقرر الخروج إلى الإعلام والتحدث علنا عن قضيتها، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل مجتمع لا يزال الحديث العلني عن الاعتداء الجنسي فيه شديد الحساسية.
سابقة قضائية قد تغير قواعد اللعبة
جاء التحول الحاسم مع حكم محكمة الاستئناف الذي صدر نصه المكتوب الشهر الماضي، واعترف بأن الرجل المدان بالاغتصاب هو والد الطفلة. ويقول محامون إن الحكم يمثل أول سابقة من نوعها أمام القضاء المصري، خصوصا أنه استند جزئيا إلى أدلة الحمض النووي إلى جانب الحكم الجنائي الصادر بحق المعتدي.
ولا تكمن أهمية القضية في إنصاف أسرة واحدة فحسب. فالحكم قد يشكل سابقة يمكن أن تستند إليها حالات أخرى لأطفال وُلدوا نتيجة الاغتصاب، بما يضع مسألة النسب والهوية القانونية أمام اختبار جديد.
لكن الحكم القضائي وحده لا يعني أن التشريع تغير بالفعل. فالمشكلة الأساسية تتمثل في وجود فجوة بين الحكم القضائي والقواعد القانونية الصريحة التي تنظم تسجيل النسب وإصدار شهادات الميلاد.
الأزهر يدخل على خط القضية
قبل صدور الحكم، حصلت القضية على دفعة مهمة من الأزهر. ففي فبراير، أصدرت هيئة الأزهر العلمية فتوى اعتبرت أن فحص الحمض النووي، إلى جانب ثبوت جريمة الاغتصاب، يمكن استخدامهما لإثبات نسب الطفلة في هذه الحالة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها قد تمنح المشرعين أساسا دينيا وقانونيا لمراجعة النصوص ذات الصلة في قانون الأحوال الشخصية، وهو قانون يخضع حاليا للنقاش داخل البرلمان.
ويقول محامي المجني عليها، السيد بدرة، إن القضية وصلت إلى مرحلة لافتة: فتوى دينية موجودة، وحكم قضائي موجود، لكن لا يزال هناك غياب لنص قانوني صريح ودقيق يحسم المسألة بصورة عامة.
هل يصبح الحكم بوابة لتعديل القانون؟
ترى منظمات حقوقية أن التطورات الأخيرة يمكن أن تشجع ناجيات أخريات من الاغتصاب على اللجوء إلى القضاء لإثبات نسب أطفالهن، بدلا من بقاء الأطفال بلا وضع قانوني واضح بسبب جريمة لم يرتكبوها.
وأكدت هيئة الاستعلامات أن أي تعديلات على مشروع قانون الأحوال الشخصية ستتوقف على ما ستنتهي إليه المناقشات البرلمانية، مشيرة إلى أن حماية الأطفال تمثل أولوية، وأن الطفل لا ينبغي أن يتحمل تبعات جريمة ارتكبها شخص آخر.
وبالنسبة إلى المدافعين عن حقوق المرأة، فإن جوهر القضية يتجاوز إثبات الأبوة. فالمعركة الحقيقية هي ما إذا كان النظام القانوني قادرا على الفصل بين مسؤولية الجاني وحقوق الطفل، بحيث لا يتحول الطفل إلى الطرف الذي يدفع ثمن الجريمة مرتين.
أما المجني عليها، فتأمل أن تكون ابنتها قادرة مع بداية العام الدراسي الجديد على الالتحاق بالمدرسة بصورة رسمية، بعد ما يقرب من ثمانية أعوام من الانتظار. وفي حال تحولت السابقة القضائية إلى تعديل تشريعي، فقد لا يكون انتصارها نهاية قصة شخصية فحسب، بل بداية مسار قانوني جديد لأطفال آخرين وجدوا أنفسهم، منذ لحظة ولادتهم، في مواجهة تبعات جريمة لم يرتكبوها.