الثلاثاء 25 أغسطس 2026 الموافق 12 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل

ألتمان ضد أمودي.. معركة السيطرة على الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي

الرئيس نيوز

سلطت مجلة ديرشبيجل الألمانية الضوء على سام ألتمان وداريـو أمودي اللذين عملا في السابق بالمختبر نفسه، وتشاركا نفس الهدف نحو دفع الذكاء الاصطناعي إلى مستوى يتجاوز قدرات النماذج الحالية. 

 

لكن اليوم، يقود ألتمان "أوبن إيه آي"، بينما يدير أمودي "أنثروبيك"، وتحولت العلاقة السابقة إلى منافسة مباشرة على تطوير ما قد يكون أكثر تقنيات القرن تأثيرًا.

 

ظهر الرجلان في فبراير الماضي خلال قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي، حيث وقف ألتمان إلى جوار رئيس الوزراء الهندي، بينما كان أمودي قريبًا منه. وجمعت المنصة أبرز وجوه الصناعة في لحظة أرادت الهند تقديمها باعتبارها احتفالًا بالتعاون والتقدم التكنولوجي، لكنه عكس أيضًا انقسامًا داخل القطاع بين شركتين تخوضان سباقًا متسارعًا نحو الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي.

أمودي يغادر ويؤسس المنافس الأخطر

كان أمودي أحد أبرز الباحثين في "أوبن إيه آي" ورئيسًا لفريق الأبحاث فيها، كما عمل لفترة قريبة من ألتمان. ثم غادر الشركة وأسّس "أنثروبيك"، التي تحولت إلى أحد أقوى منافسي "أوبن إيه آي".

 

ولا تدور المنافسة بين الشركتين حول روبوتات المحادثة أو التطبيقات الاستهلاكية وحدها. الهدف الأبعد هو تطوير أنظمة أكثر قدرة على الاستدلال والبرمجة والبحث وتنفيذ المهام المعقدة، وصولًا إلى ما يعرف بالذكاء الاصطناعي العام، ثم إلى أنظمة أكثر تقدمًا قد تتفوق في مجالات واسعة من العمل الفكري.

 

وهذا الطموح يحتاج إلى موارد هائلة. فالتقدم في هذا المجال يعتمد على آلاف الرقائق المتطورة، ومراكز بيانات تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء، وفرق بحثية تضم نخبة المهندسين والعلماء، إضافة إلى استثمارات بمليارات الدولارات.

 

كل ذلك جعل السرعة عنصرًا حاسمًا في المنافسة. الشركة التي تتقدم تقنيًا تجذب مزيدًا من المواهب والاستثمارات، وتصبح أكثر قدرة على توسيع بنيتها التحتية، بينما يجد المنافس نفسه مضطرًا إلى زيادة الإنفاق للحفاظ على موقعه.

كل خطوة إلى الأمام ترفع سقف المخاطر

هنا تظهر المشكلة التي يركز عليها "دير شبيجل". فزيادة قدرات النماذج لا تعني فقط الحصول على أدوات أكثر كفاءة، بل تعني أيضًا منح هذه الأنظمة قدرة أكبر على تنفيذ مهام كانت تتطلب تدخلًا بشريًا مباشرًا. وكلما أصبح النموذج أفضل في كتابة البرامج، وتحليل المعلومات، وإجراء البحوث، والتخطيط، زادت أهمية التأكد من أنه يتصرف وفق الحدود التي يضعها مطوروه ومستخدموه.

وهذا يجعل السلامة جزءًا من صلب المنافسة، وليس ملفًا منفصلًا عنها. فاختبار نموذج جديد وإخضاعه لمراحل أطول من التقييم قد يحسن مستوى الأمان، لكنه قد يعني أيضًا تأخير طرحه في سوق يتحرك بسرعة.

وتبنت "أنثروبيك" هوية أكثر ارتباطًا بأبحاث السلامة والمواءمة، في حين تواجه "أوبن إيه آي" ضغوطًا هائلة للحفاظ على ريادتها في سوق يتغير من شهر إلى آخر. ولا يعني ذلك أن الشركتين تتبنيان موقفين متناقضين بالكامل، لكن اختلاف طريقة إدارة المخاطر يزداد أهمية مع ارتفاع قدرات النماذج.

 

الرقائق والطاقة والمال.. أسلحة في السباق الراهن

نقل اتساع المنافسة الذكاء الاصطناعي من مختبرات البرمجيات إلى قطاعات الاقتصاد الحقيقي. فالنموذج الأكثر تقدمًا يحتاج إلى بنية تحتية قادرة على تدريبه وتشغيله. وهذا يعني طلبًا متزايدًا على أشباه الموصلات المتطورة، ومراكز البيانات، والكهرباء، وشبكات الاتصالات، ورؤوس الأموال.

لذلك لم تعد شركات الذكاء الاصطناعي تتحرك منفردة. خلفها شركات تصنيع الرقائق، ومشغلو مراكز البيانات، وشركات الطاقة، والمستثمرون، والحكومات التي ترى في امتلاك القدرة الحوسبية ميزة اقتصادية واستراتيجية. وتزداد أهمية هذا الجانب مع احتدام المنافسة الأمريكية الصينية على التكنولوجيا المتقدمة. فالسيطرة على الرقائق والقدرة الحوسبية والكوادر العلمية أصبحت جزءًا من صراع أوسع على موقع كل دولة في الاقتصاد العالمي المقبل.

 

التكنولوجيا دخلت حسابات القوة الدولية

 

الولايات المتحدة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره صناعة ناشئة فقط، والصين تتعامل معه بالطريقة نفسها. فالتفوق في هذا المجال يمكن أن ينعكس على الاقتصاد والصناعة والبحث العلمي والدفاع والأمن السيبراني.

 

ولهذا أصبحت الشركات الأمريكية الكبرى تعمل داخل بيئة سياسية واستراتيجية تتجاوز السوق. القرارات المتعلقة بالرقائق والاستثمار ومراكز البيانات وتصدير التكنولوجيا أصبحت مرتبطة بالمنافسة الدولية، فيما تتسابق الدول على بناء قدراتها قبل أن تتسع الفجوة بينها وبين المنافسين.

 

في هذه البيئة، يتحول التنافس بين ألتمان وأمودي إلى جزء من سباق أكبر. فالفائز لا يحصل فقط على حصة أكبر من سوق التكنولوجيا، وإنما قد يمتلك منصة قادرة على التأثير في قطاعات تمتد من العمل والتعليم إلى البحث العلمي والأمن والدفاع.

 

سباق السرعة يضغط على قرارات السلامة

المشكلة التي يلفت إليها "دير شبيجل" أن الحافز التجاري والسياسي يدفع في الاتجاه نفسه: الوصول إلى قدرات جديدة بأسرع وقت ممكن. وتريد الشركات طرح منتجات أكثر قوة قبل منافسيها، والمستثمرون يريدون عوائد على الأموال الضخمة التي تضخ في القطاع، أما الحكومات، فتريد الاحتفاظ بتفوقها التكنولوجي. وفي المقابل، تحتاج النماذج الأكثر قدرة إلى اختبارات أكثر صرامة، لأن الأخطاء المحتملة تصبح أكثر تأثيرًا كلما اتسعت صلاحيات النظام.

 

بهذا المعنى، لا تأتي المخاطر من الذكاء الاصطناعي وحده، بل من البيئة التنافسية التي تحيط بتطويره. لكن ألتمان وأمودي لم يعودا يتنافسان على تحسين أداة تقنية فحسب. كلاهما يتحرك في سباق يمكن أن يحدد من يمتلك أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا، ومن ثم من يملك نفوذًا أكبر على التكنولوجيا التي يعاد بناء قطاعات كاملة من الاقتصاد حولها.

 

وكلما اقتربت الشركات من تحقيق قفزة جديدة في القدرات، أصبح هامش الخطأ أضيق، وأصبح قرار إطلاق نظام جديد يحمل وزنًا أكبر من مجرد نجاح منتج أو فشل آخر.