الثلاثاء 25 أغسطس 2026 الموافق 12 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

بعد دعوته لعزل ترامب.. ضابط بالقوات الجوية الأمريكية يواجه 10 اتهامات عسكرية

الرئيس نيوز

أثار توجيه اتهامات جنائية، في واقعة نادرة الحدوث، إلى الرائد جيسون واتسون، الضابط بسلاح الجو الأمريكي، بعد انتقاده الرئيس دونالد ترامب ودعوته إلى عزله، جدلًا واسعًا حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والانضباط العسكري في الولايات المتحدة.

القضية لا تتعلق فقط بما قاله ضابط في الخدمة الفعلية، بل بما إذا كان الجيش يستطيع معاقبة أحد أفراده جنائيًا بسبب انتقاده القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ووفقًا لصحيفة ذا هيل، بدأت القصة في الأول من يوليو، عندما ظهر واتسون بزيه العسكري على درجات مبنى الكابيتول في واشنطن، حاملًا لافتة تدعو إلى عزل ترامب ونائبه جيه دي فانس وإدانتهما وإبعادهما من منصبيهما، واعتقلته شرطة الكابيتول خلال الاحتجاج، بينما أعلنت القوات الجوية فتح تحقيق بشأن سلوكه، مؤكدة أن المؤسسة العسكرية مطالبة بالحفاظ على طبيعتها غير الحزبية. 

وكان واتسون قد انتقد، من بين أمور أخرى، قرار الدخول في حرب مع إيران من دون تفويض من الكونجرس. 

لكن القضية لم تتوقف عند احتجاج الكابيتول، ففي 17 أغسطس، ظهر واتسون في مقابلة مع شبكة سي إن إن الإخبارية، وشن هجومًا شديدًا على ترامب، وكرر دعوته إلى عزله، وبعد ذلك بيوم، أمر سلاح الجو باحتجازه احتياطيًا قبل المحاكمة، قائلًا إن هناك سببًا محتملًا يدعم اتهامات باستمرار سوء السلوك. وقال محاميه إن واتسون كان يتوقع تبعات مواقفه، فيما أكدت القوات الجوية أنه بريء حتى تثبت إدانته وأنه سيحصل على جميع حقوقه القانونية. 

ثم جاء التصعيد الأكبر، أمس الإثنين 24 أغسطس، عندما وجهت إلى واتسون رسميًا عشر تهم بموجب القانون الموحد للقضاء العسكري. وتتضمن لائحة الاتهام ثلاث مخالفات للمادة 88 بسبب عبارات اعتُبرت ازدرائية تجاه ترامب، وخمس مخالفات للمادة 92 تتعلق بمخالفة أوامر أو لوائح، وتهمتين بموجب المادة 133 تتعلقان بالسلوك غير اللائق بضابط، وإذا أُحيلت القضية إلى محكمة عسكرية عامة، فقد يواجه واتسون عقوبات شديدة، تشمل السجن والفصل من الخدمة وفقدان الراتب والمزايا.

المادة 88.. السلاح القانوني النادر

المادة 88 هي أكثر عناصر القضية إثارة للاهتمام. فهي تجرّم على الضباط المفوضين استخدام «كلمات ازدرائية» ضد الرئيس ونائب الرئيس والكونغرس ومسؤولين آخرين محددين، والسبب وراء وجودها هو حماية الانضباط العسكري ومنع تحويل القوات المسلحة إلى ساحة للصراع الحزبي، لكن استخدامها نادر للغاية، وهو ما يجعل قضية واتسون لافتة قانونيًا وسياسيًا، خصوصًا أن العقوبة الجنائية على كلام سياسي تثير أسئلة حساسة حول التوازن بين النظام العسكري وحرية التعبير. 

ولا يخضع أفراد القوات المسلحة الأمريكية لقواعد حرية التعبير نفسها التي يتمتع بها المدنيون، فالقانون واللوائح العسكرية يفرضان قيودًا على النشاط السياسي، وتصبح القيود أكثر صرامة عندما يرتدي العسكري زيه الرسمي أو يستخدم صفته العسكرية في نشاط حزبي أو سياسي، ولهذا لا تتمحور القضية حول مجرد عدم موافقة واتسون على ترامب، وإنما حول الطريقة التي عبّر بها عن موقفه أثناء خدمته الفعلية، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

وتزداد حساسية القضية لأن واتسون لم يكتف بانتقاد الرئيس، بل تحدى مبدأ الصمت السياسي التقليدي داخل المؤسسة العسكرية، وقال في مقابلة CNN إنه يدرك الثمن المحتمل لموقفه، وإن تغيير ما يحدث في البلاد يتطلب الاستعداد لدفع ثمن شخصي، هذا الموقف يحول القضية من واقعة تأديبية فردية إلى اختبار علني لمدى قدرة العسكريين على التعبير عن اعتراضاتهم السياسية من دون تجاوز الحدود التي يفرضها القانون العسكري. 

سابقة شيلر تعيد فتح الملف

وتاريخيًا، توجد سوابق محدودة لاستخدام المادة 88. ففي 2021 أقر المقدم السابق في مشاة البحرية ستيوارت شيلر بالذنب في تهم، بينها ازدراء مسؤولين، بعد نشره مقاطع ينتقد فيها إدارة جو بايدن وطريقة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. 

وحصل شيلر على عقوبة مالية واستقال من الخدمة دون معاش في إطار اتفاق إقرار بالذنب. وتوضح السابقة أن المادة ليست حكرًا على انتقاد رئيس بعينه، لكنها تظل أداة استثنائية.

أما الخطوة التالية، فهي تحديد ما إذا كانت القضية ستُحال إلى محاكمة عسكرية خاصة أم عامة. المحكمة الخاصة أقرب من حيث طبيعتها إلى قضايا الجنح، بينما تتمتع المحكمة العامة بصلاحيات عقابية أكبر، وحتى الآن لا يعني توجيه الاتهامات أن واتسون مذنب؛ فالقضية لا تزال في الإجراءات العسكرية، وسيكون على الادعاء إثبات الاتهامات. 

وتكشف قضية واتسون في النهاية عن مفارقة أمريكية قديمة: المؤسسة العسكرية تحمي حق الدولة في وجود جيش غير حزبي ومنضبط، لكنها تعمل داخل مجتمع يعتبر حرية التعبير قيمة دستورية أساسية في الحياة العامة الأمريكية، وبين هذين المبدأين يقف ضابط اختار أن يتحدث علنًا ضد رئيسه الأعلى، ليجد نفسه أمام واحدة من أندر الأدوات الجنائية في القانون العسكري الأمريكي.