كواليس استعدادات مصر والسعودية لتشغيل مشروع الربط الكهربائي في سبتمبر المقبل
بعد سنوات من التخطيط وأشهر من التأجيل، يقترب مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية، أحد أضخم مشروعات تبادل الطاقة في الشرق الأوسط، من لحظة التشغيل الفعلي، بعدما كان مقررًا له في الأصل الانطلاق نهاية عام 2025، ثم تأجل إلى أبريل 2026، قبل أن يتأجل مجددًا إلى أواخر صيف العام الجاري.
وكانت التطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة مؤخرًا من بين العوامل التي دفعت الجانبين المصري والسعودي إلى إعادة النظر في الجدول الزمني للتشغيل، رغم إتمام معظم الأعمال الفنية والاختبارات التشغيلية بحلول فبراير الماضي.
المرحلة الحاسمة.. أغسطس موعد الحسم قبل التشغيل الفعلي
وبحسب أحدث البيانات وفقا لموقع إنيرجي إنتلجنس، دخل المشروع مرحلته الحاسمة فعليًا، مع استمرار العمل على استكمال المرحلة الثانية المقرر الانتهاء منها بنهاية الشهر الجاري، إلى جانب دخول الخط الثاني للربط مرحلة التجارب والاختبارات الفنية للدارات والخطوط تمهيدًا لبدء التشغيل الفعلي، وذلك بعد استكمال المرحلة الأولى بالكامل من الناحية التنفيذية.
ووفقًا لموقع سولارابيك، المتخصص في شؤون الطاقة، تلعب بطاريات التخزين دورًا محوريًا في دعم الشبكة القائمة حاليًا عند تفريغها خلال ساعات الذروة، وهو ما ينعكس مباشرة على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري والتوربينات التقليدية المتصلة بالشبكة، محققًا وفرًا ملموسًا في الاستهلاك الكلي للطاقة.
1.8 مليار دولار و1350 كيلومترًا تحت الماء وفوق الأرض
ويعد هذا المشروع الأكبر من نوعه في منطقة الشرق الأوسط من حيث الحجم والتكلفة، إذ تقدَّر استثماراته الإجمالية بنحو 1.8 مليار دولار، ويمتد على مسافة تتجاوز 1350 كيلومترًا، تجمع بين خطوط هوائية علوية وكابلات بحرية تحت مياه خليج العقبة، باستخدام تقنية التيار المستمر عالي الجهد.
ويربط المشروع، عند اكتماله، ثلاث محطات تحويل رئيسية عالية الجهد: محطتين في شرق وشمال غرب السعودية، ومحطة بدر شرق القاهرة، عبر شبكة متكاملة من الكابلات البحرية والخطوط الأرضية.
وتعد محطة بدر التحويلية، العاملة بجهد 500 كيلوفولت تيار مستمر، الأكبر من نوعها في الشرق الأوسط من حيث الحجم والتقنية المستخدمة والقدرة التشغيلية على النقل العابر للحدود، بحسب ما أكده الوزير عصمت خلال زيارة ميدانية سابقة لتفقد أعمال الاختبار فيها.
مرحلتان لا واحدة.. كيف تسعى القاهرة لتعويض التأخير؟
ولمعالجة التأخير المتكرر في الجدول الزمني، عمدت الحكومة المصرية إلى تعديل استراتيجيتها التنفيذية، إذ وجه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال جولة تفقدية سابقة لمحطة بدر، بضرورة تسريع إنجاز المرحلة الثانية من المشروع، بحيث تكون المرحلتان الأولى والثانية جاهزتين للتشغيل معًا بدلًا من تشغيلهما على مراحل منفصلة كما كان مخططًا في الأصل.
ويهدف هذا التعديل إلى تعويض الوقت الضائع جراء التأجيلات المتكررة، عبر قفزة مباشرة نحو القدرة الكاملة للمشروع البالغة 3000 ميجاواط، بدلًا من الاكتفاء بالمرحلة الأولى محدودة القدرة عند 1500 ميجاواط فقط.
جسر طاقة بين ثلاث قارات
ولا يقتصر الهدف من هذا المشروع على تلبية احتياجات البلدين الآنية من الكهرباء، إذ وصفه الوزير عصمت بأنه "جسر طاقة" يعزز التعاون الاستراتيجي ويدعم التكامل الاقتصادي بين البلدين، مؤكدًا أنه يمثل خطوة مهمة نحو تأسيس شبكة كهرباء إقليمية متكاملة بالكامل، تمهيدًا لسوق كهرباء عربية موحدة في نهاية المطاف.
ويستفيد المشروع من فارق أوقات ذروة الطلب بين البلدين، حيث تشهد مصر ذروة الأحمال صيفًا بينما تشهدها السعودية شتاءً، ما يتيح تبادلًا أكثر كفاءة للطاقة المولّدة وتوفيرًا ملموسًا في تكاليف التشغيل.
وينظر إليه على نطاق أوسع باعتباره النواة الأولى لربط شبكي مستقبلي يصل بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا، في إطار رؤية مصرية طموحة لتحويل البلاد إلى أكبر مركز إقليمي لتبادل الطاقة، بدعم من احتياطي يومي فائض من الكهرباء يتجاوز 17 ألف ميجاواط، يمنحها هامشًا واسعًا للتوسع في مشروعات ربط مماثلة مع دول الجوار كالأردن والسودان وليبيا، إضافة إلى خطط ربط مستقبلية مع أوروبا عبر اليونان.
سباق مع الزمن قبل ذروة الطلب
يكشف هذا المسار الطويل والمتعثر أحيانًا عن حجم التعقيد الهندسي واللوجستي الذي يكتنف مشروعًا بهذا الحجم، يمتد تحت البحار وفوق الصحاري ليربط بين أكبر شبكتي كهرباء في المنطقة.
ورغم التأجيلات المتكررة التي رافقت المشروع منذ توقيع اتفاقيته الأولى عام 2012، فإن دخوله مرحلته الحاسمة هذا الشهر، مقترنًا بقرار تشغيل مرحلتيه معًا بدلًا من واحدة تلو الأخرى، يشير إلى تصميم واضح من الجانبين على إنجازه قبل حلول موجة الطلب الكبرى المقبلة، سواء تعلق الأمر بذروة الصيف المصرية أو ذروة الشتاء السعودية، في اختبار عملي أول لقدرة هذا "الجسر الكهربائي" الإقليمي على تحقيق الوعود التي بُني عليها منذ أكثر من عقد من الزمن.





