الثلاثاء 25 أغسطس 2026 الموافق 12 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل

لغز المرشد الإيراني.. لماذا يختفي مجتبى خامنئي عن الأنظار بعد 6 أشهر من توليه السلطة؟

مجتبى خامنئي
مجتبى خامنئي

في مراسم تأبين آية الله علي خامنئي، التي أقيمت الثلاثاء الماضي في أحد أكبر مساجد طهران، حضر آلاف الإيرانيين وكبار المسؤولين السياسيين وعدد من أبناء المرشد الإيراني الراحل. وكان من المفترض أن يتصدر المشهد مجتبى خامنئي، خليفة والده والمرشد الأعلى الجديد، باعتباره المضيف الرسمي للمناسبة. لكنه غاب عنها بالكامل.

ووفقا لمجلة ذا أتلانتيك الأمريكية، لم يكن الغياب مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا لحجم السرية المحيطة بالمرشد منذ وصوله إلى السلطة قبل نحو ستة أشهر.

 فمنذ تنصيبه، لم تنشر صورة حديثة لمجتبى يمكن التحقق من توقيتها، ولا تسجيل فيديو أو تسجيل صوتي معاصر يثبت ظهوره العلني. 

وبذلك أصبح المرشد الأعلى الإيراني، الذي يفترض أن يكون مركز القرار في دولة تخوض حربًا وتواجه أزمات اقتصادية وأمنية متشابكة، قائدًا بلا حضور بصري أو صوتي موثق.

غياب امتد إلى مؤسسات الحكم

لم يبقى الغموض بعيدًا عن الدوائر الرسمية. فعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين أقروا بأنهم لم يروا مجتبى منذ توليه منصبه، ومن بينهم عباس عراقجي، وزير الخارجية وعضو المجلس الأعلى للأمن القومي.

 

ونقلت صحيفة إيران واير، الإيرانية المعارضة ومقرها لندن، أن أيًا من أعضاء الحكومة لم يلتقي المرشد الجديد منذ صعوده إلى السلطة. أما محمد حسين خوشوقت، المسؤول الإيراني السابق وأحد أقارب مجتبى، فقال إن أقل من خمسة أشخاص التقوا به منذ توليه منصب المرشد، مشيرًا إلى أن إجراءات أمنية مشددة تحكم الوصول إليه.

 

ورسمت هذه المعطيات دائرة ضيقة للغاية حول رأس النظام، وتضع غياب مجتبى في سياق يتجاوز طبيعته الشخصية التي اتسمت تاريخيًا بالعمل بعيدًا عن الأضواء. فالرجل الذي صعد من داخل شبكة النفوذ المحيطة بوالده أصبح الآن صاحب أعلى منصب سياسي وديني في البلاد، ومع ذلك تقلصت دائرة رؤيته إلى عدد محدود من الأشخاص.

 

الحرب أو الإصابة وراء الجدار الأمني

 

تقدم البيئة الأمنية الإيرانية تفسيرًا منطقيًا لهذا الانغلاق. فقد أصبح مجتبى هدفًا محتملًا بعد انتقاله إلى قمة السلطة في أعقاب مقتل والده خلال ضربة عسكرية. كما تحدثت تقارير عن إصابته في الهجوم نفسه، وهو ما قد يكون فرض قيودًا إضافية على ظهوره وحركته.

 

لكن الإجراءات الأمنية لا تفسر غياب أي مادة حديثة تثبت وجوده. فإثبات أن المرشد على قيد الحياة ويمارس سلطاته لا يتطلب بالضرورة كشف موقعه. وكان يمكن للنظام نشر تسجيل صوتي أو مقطع مصور حديث مع إخفاء التفاصيل التي قد تكشف مكانه. وعدم نشر مثل هذا الدليل هو الذي أبقى حالة مجتبى مفتوحة أمام التكهنات.

 

غياب المرشد يضغط على مركز القرار

 

تكتسب القضية وزنها من طبيعة السلطة التي يمثلها منصب المرشد الأعلى. فمجتبى لا يشغل موقعًا بروتوكوليًا، بل يقف على رأس منظومة تمتد إلى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والسياسة الخارجية، وتتعامل مع ملفات الحرب والبرنامج النووي والعلاقات مع واشنطن والاقتصاد والعقوبات.

 

وفي مثل هذا النظام، يصبح حضور المرشد جزءًا من آلية الحكم نفسها. وإذا كان بعيدًا عن الاجتماعات واللقاءات، فإن عملية صنع القرار تنتقل بالضرورة إلى دائرة أصغر من المسؤولين والمؤسسات المحيطة به، حتى لو ظل القرار النهائي منسوبًا إليه.

 

وهذا يمنح المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية المحيطة بمكتب المرشد مساحة أكبر في إدارة الملفات اليومية، خصوصًا خلال مرحلة تتطلب قرارات سريعة بشأن الحرب والعلاقات الخارجية والوضع الاقتصادي.

 

الإصابة والوفاة.. روايتان بلا حسم

 

تظل الحالة الصحية أحد التفسيرات المحتملة للغياب، خصوصًا في ظل التقارير التي تحدثت عن إصابة مجتبى. لكن المعلومات العلنية لا تكفي لتحديد طبيعة الإصابة أو مدى تأثيرها في قدرته على ممارسة سلطاته.

 

أما فرضية الوفاة، فلا يدعمها حتى الآن دليل مستقل منشور يمكن التحقق منه. وفي المقابل، فإن غياب أي ظهور حديث لا يوفر دليلًا مضادًا حاسمًا. لكن الفارق بين الأمرين مهم؛ فلا توجد معلومات موثوقة تثبت وفاة مجتبى، لكن النظام الإيراني لم يقدم أيضًا دليلًا حديثًا واضحًا ينهي الشكوك حول وضعه. ولهذا ظل الغياب قائمًا بوصفه حقيقة ثابتة، بينما بقي تفسيره محل نزاع.

 

مراسم التأبين تعمق الغموض

 

كان غياب مجتبى عن مراسم تأبين والده أكثر الوقائع دلالة في هذا السياق. فالمناسبة جمعت النخبة السياسية الإيرانية وأفراد عائلة خامنئي، وكان حضور المرشد الجديد سيمنح انتقال السلطة صورة علنية واضحة.

 

لكن المشهد مر من دونه، ما عزز الانطباع بأن القيادة الإيرانية تتعامل مع ظهور مجتبى باعتباره أمرًا استثنائيًا، وليس جزءًا طبيعيًا من ممارسة منصبه. ولا يعني ذلك أن النظام فقد السيطرة أو أن خلافة جديدة بدأت بالفعل، لكنه يكشف عن مشكلة مختلفة: إيران تدير مرحلة شديدة الحساسية بينما رأس هرم السلطة لا يظهر أمام الجمهور، ولا يلتقي علنًا بكبار المسؤولين، ولا يترك وراءه سجلًا حديثًا يمكن التحقق منه.

لغز الغياب يتحول إلى مسألة حكم

حتى الآن، لا توجد أدلة مستقلة تثبت وفاة مجتبى خامنئي. لكن استمرار الغياب يفرض نفسه على المشهد السياسي الإيراني، لأن المسألة لم تعد مرتبطة بصورة المرشد أمام الكاميرات، وإنما بوضوح مركز القرار داخل النظام. فإذا كان مجتبى يمارس سلطاته من خلف ستار أمني محكم، فإن إيران اختارت نموذجًا غير مسبوق من الحكم المغلق. وإذا كانت حالته الصحية تحد من قدرته على ممارسة مهامه، فإن نفوذ الدائرة المحيطة به يصبح أكثر أهمية. أما ثبوت وفاته فسيفتح مباشرة ملف خلافة المرشد والصراع على توزيع السلطة بين المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية.

وفي الوقت الراهن، تبقى الحقيقة الوحيدة التي يمكن إثباتها علنًا هي أن المرشد الأعلى الإيراني غائب عن المشهد، وأن النظام لم يقدم تفسيرًا مقنعًا وموثقًا لحجم هذا الغياب. وفي بلد ترتبط فيه شرعية القرار بوجود مرشد أعلى واضح، أصبح غياب مجتبى خامنئي نفسه أحد أكثر الملفات حساسية على قمة السلطة الإيرانية.