الثلاثاء 25 أغسطس 2026 الموافق 12 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

أزمة غذاء عالمية وشيكة.. 4 سيناريوهات قد تحول اضطراب هرمز وظاهرة النينيو إلى كارثة

الرئيس نيوز

يواجه العالم صدمتين تتقاطعان عند أخطر نقطة في منظومة الغذاء، تتعلقان بتكلفة الإنتاج وقدرة المزارعين على الحصول على الأسمدة. ويحذر المجلس الأطلسي من أن اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز بالتزامن مع ظاهرة "النينيو" قد يضع العالم أمام أربعة مسارات حتى عام 2027، تبدأ بأزمة قابلة للاحتواء وتنتهي في أسوأ الاحتمالات باضطرابات وانهيارات سياسية واسعة.

يعتمد تحليل بيتر إنجلكه وجينجر ماتشيت، من مبادرة الجيوستراتيجية بالمجلس الأطلسي، على مصفوفة 2×2، تقيس سرعة عودة حركة النفط والغاز عبر هرمز إلى طبيعتها من جهة، ومدى انتشار وشدة تأثير "النينيو" من جهة أخرى.

لماذا يبدأ الخطر من هرمز؟

ولفت المجلس الأطلسي إلى أن أزمة الملاحة في الخليج لا تهدد النفط والطاقة فقط، بل تمتد مباشرة إلى الزراعة. فالأسمدة النيتروجينية، وفي مقدمتها اليوريا، تعتمد في إنتاجها على الغاز الطبيعي، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الغاز أو تعطل إمداداته يرفع تكلفة الأسمدة، ثم تكلفة زراعة المحاصيل.

وتزداد حساسية الوضع لأن الشرق الأوسط مركز رئيسي لإنتاج الأسمدة، فيما يمر عبر مضيق هرمز نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية. وكان المضيق قبل الحرب ممرًا لنحو ثلث اليوريا المتداولة عالميًا ونحو نصف الكبريت المنقول بحرًا.

وتظهر التداعيات بالفعل؛ فقد هبطت واردات الولايات المتحدة من الأسمدة القادمة من موانئ متأثرة بأزمة هرمز إلى الصفر في مايو، بينما تراجعت واردات مغذيات المحاصيل الأمريكية إجمالًا بنسبة 44% على أساس سنوي.

"النينيو".. الصدمة الثانية

حتى إذا عادت الملاحة في هرمز سريعًا، تواجه الزراعة العالمية خطرًا آخر من المحيط الهادئ. فظاهرة "النينيو" تعيد تشكيل أنماط الأمطار والحرارة حول العالم، وقد تأتي هذه المرة بقوة استثنائية.

تحذر التقديرات من أن ظاهرة قوية قد تضرب إنتاج القهوة والكاكاو والذرة ومصايد الأسماك، بينما تواجه الهند خطر موسم رياح موسمية ضعيف، بما يهدد محاصيل القطن وفول الصويا والذرة والبقوليات.

والأخطر أن "النينيو" يأتي في عالم أكثر حرارة أصلًا، ما يعني أن الجفاف والفيضانات والحرارة الشديدة ستتفاعل مع ضغوط مناخية قائمة، بدل أن تبدأ من نقطة الصفر.

السيناريو الأول: النجاة في اللحظة الأخيرة

 

أفضل الاحتمالات أن تتوصل إيران وسلطنة عمان والولايات المتحدة في سبتمبر 2026 إلى اتفاق يسمح بعودة حركة السفن عبر هرمز إلى مستويات قريبة من فترة ما قبل الحرب.

 

في هذه الحالة، تنخفض أسعار النفط والغاز تدريجيًا وتستقر أسواق الأسمدة، وإن ظل التعافي بطيئًا بسبب أضرار الحرب التي لحقت ببعض منشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر.

 

وفي الوقت نفسه، يضرب "النينيو" مناطق مختلفة بدرجات متفاوتة، فتتراجع الزراعة في أجزاء من جنوب آسيا وجنوب أفريقيا، بينما تستفيد مناطق أخرى، بينها أجزاء من وسط الولايات المتحدة.

 

ويرجح المجلس الأطلسي أن الأزمة يمكن احتواؤها عبر زيادة إنتاج الأسمدة محليًا، بما فيها الأسمدة الحيوية، والتعاون في إدارة المخزونات، وتجنب القيود الواسعة على صادرات الأرز والقمح، مع توجيه الدعم إلى المزارعين والمستهلكين الأكثر تضررًا.

 

السيناريو الثاني: اضطرابات سياسية متقطعة

 

إذا ظلت حركة النفط والغاز عبر هرمز منخفضة حتى نهاية 2026 ودخول 2027، ستبقى أسعار الأسمدة مرتفعة، بينما لن تتمكن خطوط الأنابيب البرية البديلة التي تعمل دول الخليج على تطويرها من تعويض قدرة المضيق سريعًا.

 

ومع بدء مواسم الزراعة الجديدة، ستؤدي تكلفة المدخلات المرتفعة إلى خفض الإنتاج، فيما تواجه المناطق الأكثر تضررًا من الجفاف والحرارة والفيضانات قفزات في أسعار الغذاء. وقد تنتقل الأزمة من الحقول إلى الشوارع، مع احتجاجات واضطرابات سياسية في أجزاء من جنوب وجنوب شرق آسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية ووسط وجنوب أفريقيا.

 

السيناريو الثالث: هرمز ينفتح.. لكن الطبيعة تنفجر

 

في هذا السيناريو تعود الملاحة عبر هرمز بسرعة، فتستقر أسعار الأسمدة ثم تبدأ في الانخفاض مع نهاية 2026 وبداية 2027، وتستعيد الأسواق الثقة في الإمدادات. لكن "النينيو" يتحول إلى كارثة عالمية. فالأمطار الغزيرة والفيضانات تدمر المحاصيل والمواشي والمزارع، وتجرف التربة وتضرب البنية التحتية، بينما يؤدي ارتفاع الحرارة إلى إجهاد النباتات والحيوانات وجفاف التربة وانتشار الآفات.

 

وهنا تظهر المشكلة الأخطر: ماذا يحدث إذا فشلت معظم مناطق الإنتاج في الوقت نفسه؟ ففي الأزمات التقليدية تستطيع منطقة زراعية تعويض نقص أخرى، لكن تزامن الخسائر في عدة "سلال غذاء" عالمية يعني عدم وجود فائض كاف لإنقاذ الأسواق.

 

السيناريو الرابع: الانهيار السياسي

أسوأ الاحتمالات يجمع بين استمرار اضطراب هرمز وارتفاع أسعار الأسمدة وضرب "النينيو" لمعظم مناطق الإنتاج الزراعي. وعندها تقفز أسعار الذرة والأرز وغيرها من السلع الأساسية، وتمتد الصدمة إلى القهوة والكاكاو، وتظل الأسعار مرتفعة حتى 2027.

 

ويشير المجلس الأطلسي إلى أن أزمة 2022، عندما قفزت أسعار القمح عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، أمكن تخفيفها جزئيًا عبر التعاون الدولي. لكن الأزمة المقبلة قد تكون أكثر تعقيدًا إذا فشلت عدة مناطق زراعية في الوقت نفسه وارتفعت تكلفة المدخلات. ويحذر برنامج الأغذية العالمي من أن "النينيو" وحده قد يدفع نحو 49 مليون شخص إضافي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول نهاية 2027.

 

وفي السيناريو الأسوأ، قد تتحول أزمة الأسعار إلى احتجاجات وأعمال شغب، ثم تدفع دولًا مستقرة إلى الهشاشة والانهيار، قبل أن تنتقل التداعيات إلى دول أخرى عبر موجات هجرة وأزمات سياسية وأمنية.

 

الخطر الحقيقي ليس نقص الغذاء

 

المفارقة أن الأزمة المقبلة قد لا تبدأ من نقص القمح أو الأرز، بل من مضيق بحري وسعر الغاز ومصانع الأسمدة، قبل أن تصل متأخرة إلى الحقول والأسواق. وهنا تكمن خلاصة تحذير المجلس الأطلسي: العالم لا يواجه صدمة واحدة، بل احتمال تزامن الحرب والطاقة والأسمدة والمناخ والتجارة في اللحظة نفسها.

والفارق بين أزمة قابلة للاحتواء وكارثة عالمية قد يكون قدرة الحكومات على التعاون قبل أن تبدأ الدول في حماية مخزوناتها وفرض قيود على صادراتها. فالعالم لا يحتاج إلى نفاد الطعام كي يدخل أزمة غذاء؛ يكفي أن يصبح إنتاجه ونقله وتمويله باهظًا إلى الحد الذي يعجز فيه ملايين البشر عن تحمل تكلفة تدبير احتياجاتهم.