الثلاثاء 25 أغسطس 2026 الموافق 12 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

«لم يعد مضحكًا».. مقدمو برامج الكوميديا الأمريكية يفقدون شغفهم بالسخرية من ترامب

الرئيس الأمريكي ترامب
الرئيس الأمريكي ترامب

كان دونالد ترامب، في بدايات صعوده السياسي، منجما لا ينضب لكتاب الكوميديا، فقد جمع بين الشخصية الصاخبة، والتصريحات الصادمة، والخصومات المتواصلة متعددة الأطراف، بجانب حضور إعلامي فرض نفسه على نشرات الأخبار والبرامج الحوارية، لكن المفارقة التي رصدتها مجلة "ذا أتلانتيك" هي أن الرجل الذي منح الساخرين مادة استثنائية لسنوات، بات بالنسبة إلى بعضهم مادة مستهلكة إلى حد الإرهاق، فالمشكلة لم تعد في العثور على شيء يقال عن ترامب، بل في العثور على طريقة جديدة لقوله.

أليك بالدوين.. من "الظاهرة" إلى الملل

يصعب العثور على مثال أكثر دلالة من أليك بالدوين، ففي عام 2017 كان تقليده لترامب في برنامج "ساترداي نايت لايف" واحدًا من أبرز الظواهر الكوميدية في التلفزيون الأمريكي، وساعد البرنامج على استعادة مستويات مشاهدة مرتفعة. 

ولم يكن بالدوين يكتفي بتقليد الرئيس؛ بل تحول هو نفسه إلى شخصية مرتبطة بصورة ترامب الساخرة في الثقافة الشعبية، حتى إنه أصدر كتابًا ساخرًا مكتوبًا من منظور الرئيس.

لكن بالدوين، الذي كان في تلك الفترة يستمتع بزخم الشخصية، يقدم اليوم تقييمًا معاكسًا تمامًا، ففي حديثه مع كاتب "ذا أتلانتيك"؛ ويل جوتسيجن هذا الصيف، قال إن هذا النوع من الكوميديا أصبح بالنسبة له "قديمًا ومملًا وغير مفيد"، وإنه لم يعد يجد فيه ما يضحكه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك مؤكدًا أنه لم يعد يعرف ما الذي يمكن قوله عن ترامب.

وهذه ليست مجرد حالة فنان واحد فقد اهتمامه بشخصية كان يقلدها، فصناعة السخرية السياسية تقوم أساسًا على عنصر المفاجأة؛ أي أن يأخذ الكوميدي حدثًا سياسيًا، أو تصريحًا غريبًا، أو تناقضًا واضحًا، ثم يقدمه للجمهور من زاوية لم يرها غيره من قبل، لكن عندما يصبح السياسي نفسه حاضرًا يوميًا وعلى مدى سنوات، تتحول المفارقة إلى عادة، ويتحول الاستثناء إلى روتين.

ترامب أصبح أصعب من أن يتحول لمحتوى كاريكاتيري

تكمن واحدة من أكبر مشكلات الكوميديا السياسية في عصر ترامب في الواقع نفسه الذي بات ينافس السخرية، وأحيانًا يتفوق عليها، فترامب لا يحتاج بالضرورة إلى كوميدي يبالغ في غرابة تصريحاته أو مواقفه؛ إذ يستطيع أن ينتج بنفسه مادة تبدو، في بعض الأحيان، كأنها مكتوبة أصلًا لبرنامج ساخر، وهذا ما يجعل مهمة تقليده أكثر تعقيدًا، فإذا كان التقليد يبالغ في شخصيته، فقد يبدو أقل غرابة من الواقع؛ وإذا اكتفى بنقل كلامه كما هو، فقد لا تكون هناك نكتة أصلًا،

وعكس الكوميدي كونان أوبراين هذه المعضلة بوضوح في حديث له بجامعة أكسفورد مطلع العام 2026، عندما انتقد الكوميديين الذين اختزلوا عملهم في تكرار العداء لترامب، معتبرًا أن الغضب المستمر يمكن أن يسلب الكوميدي سلاحه الأساسي: القدرة على الإضحاك، وبرأيه فإن المطلوب ليس التخلي عن نقد السلطة، وإنما تحويل الغضب إلى فن وفكرة ونكتة، بدل الاكتفاء بالصراخ السياسي.

نيكي جلايزر اختارت الصمت

التحول نفسه ظهر بصورة عملية لدى نيكي جلايزر، التي قدمت حفل جولدن جلوب في يناير 2026 كانت لديها بالفعل نكات عن ترامب ووكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، لكنها قررت حذفها قبل العرض.

وقالت جلايزر في حديث لاحق مع هوارد ستيرن إن بعض النكات بدت لها "تافهة"  في ظل خطورة الأحداث، وإنها وجدت صعوبة في الوصول إلى النبرة المناسبة. 

كما حذفت نكتة عن ترامب كان قد كتبها ستيف مارتن بعد أن رأى الطرفان أنها لا تناسب أجواء الحفل، وفي النهاية، اختارت غلايزر أن تمنح اسم ترامب مساحة أقل، بينما وجهت سخريتها إلى موضوعات أخرى مثل ملف "سي بي إس نيوز" وملفات إبستين.

وهنا تظهر النقطة الأهم؛ فتجنب ترامب لم يعد بالضرورة علامة على الخوف منه أو التعاطف معه؛ أحيانًا يصبح قرارًا فنيًا بحتًا، ففي العادة يريد الكوميدي نكتة ناجحة، لا مجرد موقف سياسي، وعندما يشعر بأن الجمهور سمع النكتة نفسها مئات المرات، يصبح تجاهل الشخصية نفسها أكثر ذكاءً من محاولة إحيائها بالقوة.

التلفزيون لم يرفع الراية البيضاء

المفارقة أن إرهاق بعض الكوميديين لا يعني انتهاء السخرية من ترامب، على العكس، توصل تحليل أجرته صحيفة واشنطن بوست لستة برامج ليلية إلى نتيجة تكاد تناقض الانطباع الذي يتركه تراجع بعض الكوميديين الأفراد: نسبة النكات التي تستهدف ترامب ارتفعت مع مرور الوقت منذ انتخابات 2024.

وحللت الصحيفة أكثر من 400 ساعة من المقاطع المنشورة لبرامج ذا ليت شو، وجيمي كيميل لايف!، وذا تونايت شو، وليت نايت ويذ سيث مايرز، وذا ديلي شو، وريل تايم ويذ بيل ماهر، وخلص التحليل إلى أن ترامب ظل الشخصية الأكثر ذكرًا، وأن البرامج واصلت زيادة جرعة السخرية منه رغم الانتقادات والضغوط السياسية.

لكن هذه السخرية جاءت بثمن، فقد انتهى برنامج ستيفن كولبير على شبكة سي بي إس في 2026، بعد سنوات من كونه أحد أبرز منتقدي ترامب، بينما دخل جيمي كيميل في مواجهات متكررة مع الرئيس وإدارته. 

وأثارت هذه التطورات نقاشًا واسعًا حول حدود الضغط السياسي على برامج السهرة، خصوصًا بعد تسوية الشركة المالكة لـ"باراماونت" دعوى قضائية رفعها ترامب مقابل 16 مليون دولار، وهي التسوية التي وصفها كولبير ساخرًا بأنها "رشوة كبيرة"، قبل أن تعلن الشبكة إنهاء برنامجه.

من النكتة إلى المقاومة

المفارقة الكبرى أن ترامب لم يعد مجرد مادة كوميدية؛ لقد أصبح بالنسبة إلى بعض برامج السهرة جزءًا من هوية سياسية وإعلامية كاملة، حيث تشير «واشنطن بوست» إلى أن النكات لم تتراجع حتى في ظل الضغوط التنظيمية والتهديدات العلنية، بل استمرت في تناول سياسات ترامب وفضائحه وحروبه التجارية وملفات مثل إبستين.

لكن هذا لا يعني أن الكوميديا نفسها بخير، فهناك فرق بين كثرة النكات ونجاحها. يمكن لبرنامج أن يقول عشرات النكات عن الرئيس كل ليلة، بينما يعجز عن إنتاج واحدة تبقى في ذاكرة الجمهور، وهنا تكمن أزمة "كوميديا ترامب"، إذ أن المادة الخام للسخرية والمبالغة لا تزال وفيرة، لكن عنصر المفاجأة ينفد. 

وربما لهذا السبب بدأ بعض الكوميديين في البحث عن أهداف جديدة أو شخصيات أكثر تعقيدًا، بينما يواصل آخرون السخرية من ترامب لأن تجاهله، في اللحظة السياسية الراهنة، يبدو لهم مستحيلًا.