< من فاتورة استيراد قياسية إلى سباق إنتاج.. كيف تتحرك القاهرة لسد فجوة الغاز؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من فاتورة استيراد قياسية إلى سباق إنتاج.. كيف تتحرك القاهرة لسد فجوة الغاز؟

الرئيس نيوز

بعد أن ارتفعت فاتورة استيراد الغاز من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، ما يقارب ثلاثة أضعاف، بفعل الحرب الأمريكية الإيرانية وما خلفته من اضطرابات في الإمدادات. وفي مواجهة هذا الضغط، تحركت القاهرة بخطوة ملموسة عبر حشد أربع شركات كبرى تستعد لربط 5 آبار جديدة بشبكة الإنتاج خلال أكتوبر المقبل، بإجمالي 100 مليون قدم مكعب يوميًا واستثمارات تبلغ 95 مليون دولار، وفقًا لبلومبرج. 

خطة أكتوبر.. 4 شركات وربط 5 آبار

كشفت بلومبرج أن توزيع الشركات الأربع جاء على النحو التالي؛ فتتصدر إيني الإيطالية المشهد بربط بئر جديدة في حقل ظهر بالمياه العميقة في البحر المتوسط بطاقة 60 مليون قدم مكعب يوميًا — أي 60% من إجمالي الزيادة المستهدفة. وتسهم أباتشي الأمريكية بربط بئرين في منطقة امتيازها بالصحراء الغربية بإجمالي 20 مليون قدم مكعب يوميًا، فيما تضيف هاربر إنرجي البريطانية 12 مليون قدم مكعب يوميًا من بئر جديدة في منطقة دسوق البرية بدلتا النيل، وتُكمل كايرون إنرجي المنظومة بربط بئر برية في منطقة امتيازها بالصحراء الغربية بطاقة 8 ملايين قدم مكعب يوميًا.

وفي هذا السياق، وصف جون كريستمان، الرئيس التنفيذي لشركة أباتشي، إنتاج شركته من الغاز المصري بأنه "يوفر على القاهرة ما يعادل شحنتين من الغاز المسال شهريًا"، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه الاستثمارات في لحظة تتضاعف فيها فاتورة الاستيراد. وأكد كريستمان للمستثمرين خلال مكالمة أرباح السابع من مايو: "في مصر، يدعم النجاح المستمر في برنامج الغاز تحقيق أهدافنا الطموحة لعام 2026، وعلى المدى البعيد لا يزال إقبالنا كبيرًا على الإمكانات الواسعة للصحراء الغربية".

عجز يستدعي إجراءات عاجلة

تعمل مصر على تسريع عمليات تنمية وربط الآبار الجديدة بهدف تعويض التناقص الطبيعي للحقول الذي يقدر بنحو 120 مليون قدم مكعب شهريًا، بعد أن تراجع الإنتاج إلى ما دون 4 مليارات قدم مكعب يوميًا، أي أدنى مستوى في عقد كامل. وتتلخص المعادلة قاسية بأرقامها في إنتاج حالي يبلغ 3.8 مليار قدم مكعب يوميًا في مواجهة طلب محلي يصل إلى 6.2 مليار قدم مكعب يوميًا يرتفع إلى 7.5 مليار قدم مكعب خلال ذروة الصيف. وتستهدف مصر رفع إنتاجها إلى 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول 2030 — وهو هدف يستلزم مضاعفة الإنتاج الحالي في غضون 4 سنوات. 

وعلق بيل فارن-برايس، رئيس أبحاث الغاز في معهد أكسفورد لدراسات الطاقية، على هذه المعادلة قائلًا إن الاكتشافات الجديدة "ستساعد في معالجة معادلات الطاقة الصعبة في مصر لكنها على الأرجح لن تكون تحويلية"، مضيفًا أن "الطلب المتزايد على الكهرباء لا يزال من المرجح أن يتجاوز المكاسب في الإنتاج، وإن كانت الإصلاحات ستجذب المزيد من الشركات الدولية وتنشط العاملين منها بالفعل في البلاد." 

سداد الديون.. كلمة السر التي فتحت الأبواب

ثمة قصة خلف هذا التدافع الاستثماري الغربي نحو مصر لا يمكن إغفالها. وفقًا لبلومبرج، سددت مصر في يونيو الماضي مستحقات شركائها الأجانب في قطاع البترول والغاز بالكامل بعد أن تجاوزت ذروتها 6 مليارات دولار — وهو رقم كان يُشكّل عائقًا حقيقيًا أمام موجات الاستثمار السابقة. وأقرّت الحكومة في الوقت ذاته حزمة من الحوافز تضمنت السماح بتصدير جزء من حصص الإنتاج الجديدة وتحسين أسعار شراء الغاز المنتج حديثًا. 

وأسفر هذا المزيج عن تكثيف ملحوظ لأنشطة الاستكشاف والإنتاج. فقد بلغت استثمارات أباتشي وحدها في مصر 2.7 مليار دولار في 2024 مقارنة بـ2 مليار دولار في 2023، فيما التزمت إيني وبي بي معًا بضخ 13 مليار دولار في الاستكشاف والإنتاج على مدى السنوات الأربع إلى الخمس المقبلة. وتخطط مصر لحفر 101 بئر في 2026 بما فيها 14 بئرًا في شرق المتوسط و67 في الصحراء الغربية، وفقا لتقديرات موقع بروسبكت إنتل.

الرهان على حقل ظهر مجددًا

يحمل اختيار إيني لحقل ظهر، الأكبر في المتوسط باحتياطيات تناهز 30 تريليون قدم مكعب، لاستضافة الحصة الأكبر من خطة أكتوبر دلالة رمزية ومادية في نفس الوقت. فالحقل الذي رفع آمال مصر نحو الاكتفاء الذاتي عام 2015 ثم خذلها مع تراجع إنتاجه، يُطلب منه اليوم أن يؤدي دور المنقذ من جديد. وقد أكد غيدو بروسكو، المدير التنفيذي للموارد الطبيعية في إيني، أن الشركة "تسرع خططها لضخ إمدادات الغاز نحو أوروبا عبر البنية التحتية المصرية للغاز المسال"، كما كشف أن استثمارات إيني في مصر تخدم هدفي القاهرة وروما.

وأعلنت إيني عن اكتشاف ضخم في حقل دينيز دبليو 1 داخل امتياز تمساح في شرق المتوسط بتقديرات أولية تبلغ 2 تريليون قدم مكعب من الغاز، فيما أعلنت أباتشي عن اكتشاف جديد في منطقة جنوب كلباشا بإنتاج أولي 26 مليون قدم مكعب يوميًا. وصرح المدير المالي لإيني فرانشيسكو جاتيي بأن الحرب الإيرانية "ستكون لها تأثيرات أكبر وذات تأثير زمني أطول على أسعار النفط والغاز مما تعكسه الأسواق في الوقت الراهن".