الثلاثاء 04 أغسطس 2026 الموافق 21 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

بعد 6 سنوات.. ملف انفجار مرفأ بيروت يعود إلى الواجهة ومطالب متجددة بالعدالة

لبنان
لبنان

بعد ست سنوات على أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، عاد ملف كارثة مرفأ بيروت إلى واجهة المشهد اللبناني مع تصاعد الضغوط السياسية والشعبية والقضائية لكسر حالة الجمود التي عطلت التحقيق سنوات طويلة. ففي وقت لا تزال فيه آثار الانفجار محفورة في أحياء العاصمة اللبنانية وفي ذاكرة آلاف الأسر، تتجدد المطالب بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين، وسط قناعة متزايدة بأن القضية تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادة القانون واستقلال القضاء.

الرئاسة اللبنانية تعيد الملف إلى الواجهة

بمناسبة الذكرى السادسة للانفجار، دعا الرئيس اللبناني جوزيف عون السلطة القضائية إلى استكمال التحقيقات التي طال انتظارها، مؤكدًا أن ذكرى الرابع من أغسطس ليست مناسبة للحزن فقط، بل التزام دائم بالحقيقة والعدالة والمساءلة.

وشدد الرئيس عون على ضرورة صدور القرار الاتهامي الذي يعده المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، معتبرًا أن كشف الحقيقة الكاملة ومحاسبة جميع المسؤولين، مهما كانت مواقعهم، يمثلان خطوة أساسية لاستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسسات الدولة.

وأكد عون أن العدالة لا تعني الانتقام، وإنما تعني كشف الوقائع كاملة ومحاسبة كل من تسبب في الكارثة أو أهمل منع وقوعها.

تحقيقات اصطدمت بالسياسة

ورغم مرور ست سنوات، ما زال التحقيق القضائي يواجه عراقيل متتالية نتيجة الصدامات السياسية والطعون القانونية المتكررة. فقد توقف التحقيق أكثر من مرة بعدما طعن عدد من كبار المسؤولين والسياسيين في صلاحيات المحقق العدلي، كما حالت الحصانات البرلمانية والتداخل بين السلطات القضائية دون انتقال الملف إلى مرحلة إصدار القرار الاتهامي.

وأدى هذا التعثر الطويل إلى تنامي شعور الإحباط لدى عائلات الضحايا، التي واصلت تنظيم الوقفات والمسيرات السنوية للمطالبة بالحقيقة وعدم طي الملف.

عدالة مؤجلة وكارثة غيرت وجه لبنان

وقع الانفجار في الرابع من أغسطس 2020 عندما اشتعلت آلاف الأطنان من نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة داخل مرفأ بيروت لسنوات بصورة غير آمنة.

وأسفرت الكارثة عن مقتل أكثر من 220 شخصًا، وإصابة نحو 7000 آخرين، فيما دمرت أحياء كاملة من العاصمة، وشردت آلاف الأسر، وتسببت في خسائر اقتصادية قدرت بمليارات الدولارات.

ويرى كثير من الباحثين أن الانفجار لم يكن مجرد حادث صناعي، بل أصبح رمزًا لفشل مؤسسات الدولة، وكشف حجم الإهمال الإداري والفساد وضعف الرقابة وتداخل النفوذ السياسي مع عمل القضاء.

جراح لم تندمل

ورغم إعادة إعمار أجزاء من العاصمة، ما تزال آثار الانفجار واضحة في العديد من المباني والأحياء، بينما يواصل آلاف الناجين التعايش مع تداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة.

وتؤكد عائلات الضحايا أن مطلبها لا يقتصر على معاقبة المنفذين المباشرين، بل يشمل معرفة من سمح بتخزين هذه الكميات الضخمة من نترات الأمونيوم، ومن تجاهل التحذيرات المتكررة بشأن خطورتها، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية والقانونية عن واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخ لبنان الحديث.

قرار الاتهام... اختبار لاستقلال القضاء

يرى مراقبون أن صدور القرار الاتهامي لن يكون مجرد إجراء قضائي، بل محطة مفصلية لاختبار استقلال القضاء اللبناني وقدرته على تطبيق القانون بعيدًا عن الضغوط السياسية. فالقضية تجاوزت منذ سنوات حدود التحقيق الجنائي، وأصبحت مرتبطة بثقة اللبنانيين في مؤسسات دولتهم، وبقدرة النظام القضائي على محاسبة أصحاب النفوذ مثلما يحاسب أي مواطن آخر.

قضية تتجاوز حدود لبنان

ولا ينظر المجتمع الدولي إلى انفجار مرفأ بيروت باعتباره شأنًا لبنانيًا داخليًا فقط، بل باعتباره نموذجًا لكيفية تعامل الدول مع الكوارث الكبرى ومبدأ الإفلات من العقاب. ولهذا، فإن أي تقدم في التحقيق سيحمل دلالات تتجاوز حدود لبنان، وسيبعث برسالة حول قدرة المؤسسات القضائية على الانتصار للقانون، حتى في أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا.