ميرسك تعود بقوة إلى قناة السويس للمرة الأولى منذ أزمة البحر الأحمر.. ماذا يعني لمصر؟
في خطوة اعتبرها قطاع النقل البحري نقطة تحول مهمة، أعلنت شركة ميرسك الدنماركية توسيع نطاق رحلاتها العابرة للبحر الأحمر عبر إعادة خدمة MECL إلى مسارها الطبيعي مرورًا بقناة السويس، بعد فترة طويلة من تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح بسبب التوترات الأمنية في المنطقة.
اندلاع أزمة البحر الأحمر
يأتي القرار بعد نجاح عدد من الرحلات التجريبية عبر البحر الأحمر، لتقرر الشركة إعادة الخدمة بصورة منتظمة، وهو ما يمثل أول تعديل هيكلي كبير في شبكتها البحرية يعيد أحد خطوطها الرئيسية إلى قناة السويس منذ اندلاع أزمة البحر الأحمر أواخر عام 2023، وفقا لموقع جيه كابتن المتخصص في شؤون الشحن البحري.
تشير الشركة إلى أن القرار جاء بعد تقييمات أمنية مستمرة وتحسن نسبي في ظروف الملاحة، مع التأكيد أن سلامة الأطقم والسفن والبضائع ستظل العامل الحاسم في أي قرار مستقبلي.
ما هي خدمة MECL ولماذا تحظى بكل هذه الأهمية؟
تعد خدمة MECL أحد أهم الخطوط التي تشغلها ميرسك، إذ تربط موانئ الخليج والهند بالساحل الشرقي للولايات المتحدة عبر قناة السويس، ما يجعلها شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية. وخلال ذروة أزمة البحر الأحمر، اضطرت السفن العاملة على هذا الخط إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أضاف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلات، وأدى إلى ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين، وإطالة زمن التسليم بصورة أثرت على سلاسل الإمداد العالمية.
مع العودة إلى قناة السويس، تتوقع ميرسك تقليص زمن الرحلات بنحو سبعة أيام في الاتجاه الغربي، وما يصل إلى أربعة عشر يومًا في الاتجاه الشرقي، وهو تحسن كبير يعيد قدرًا من الكفاءة التي فقدها قطاع الشحن خلال العامين الماضيين.
مكسب استراتيجي لمصر وقناة السويس
تمثل العودة دفعة معنوية واقتصادية لقناة السويس، التي تعرضت لتراجع ملحوظ في حركة العبور منذ تصاعد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر. وقبل الأزمة، كانت القناة تستوعب نحو 10% من التجارة البحرية العالمية، إلا أن تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح أدى إلى انخفاض الإيرادات وفرض تحديات كبيرة أمام أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر.
تؤكد ميرسك أن قناة السويس تظل المسار الأسرع والأكثر كفاءة واستدامة بين الشرق والغرب، مشيرة إلى أن التعاون المستمر مع هيئة قناة السويس لعب دورًا مهمًا في التخطيط لاستئناف الخدمة، بما يضمن استقرار العمليات وتقليل المخاطر التشغيلية.
لماذا تتحرك ميرسك الآن؟
لم يكن القرار وليد الصدفة، بل جاء بعد سلسلة من المؤشرات التي شجعت شركات الملاحة على اختبار العودة التدريجية إلى البحر الأحمر. فالشركة نفذت خلال الأشهر الماضية عدة رحلات ناجحة عبر قناة السويس دون حوادث، كما بدأت بالتنسيق مع شركائها ضمن تحالف جيميناي لإعادة بعض الخدمات إلى المسار التقليدي، في ظل تراجع نسبي للمخاطر مقارنة بالفترة السابقة.
مع ذلك، شددت ميرسك على أن العودة ليست نهائية أو غير قابلة للتراجع، مؤكدة أنها تحتفظ بخطط طوارئ تسمح بإعادة تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح فور حدوث أي تصعيد أمني جديد في المنطقة.
تأثيرات تتجاوز قطاع الشحن
أشار موقع جيه كابتن إلى أن عودة خدمة MECL لا تعني فقط زيادة عدد السفن العابرة لقناة السويس، بل تحمل آثارًا أوسع على الاقتصاد العالمي. فانخفاض زمن الرحلات يعني تقليل استهلاك الوقود، وخفض تكاليف التشغيل، وتحسين انتظام جداول التسليم، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على أسعار الشحن العالمية بعد فترة طويلة من التقلبات.
لكن في المقابل، يحذر محللون من أن زيادة الطاقة الاستيعابية وعودة المزيد من السفن إلى المسارات الطبيعية قد تضغط على أسعار النقل البحري، وهو ما يفسر تراجع أسهم بعض شركات الشحن عقب الإعلان عن استئناف عدد من الخدمات عبر قناة السويس، مع توقعات بانخفاض هوامش الأرباح مقارنة بالفترة التي شهدت ارتفاعًا حادًا في أسعار الشحن نتيجة التحويل حول أفريقيا.
هل نشهد عودة كاملة إلى البحر الأحمر؟
يرى خبراء النقل البحري أن خطوة ميرسك تمثل بداية مرحلة جديدة أكثر منها نهاية للأزمة. فالشركة اختارت العودة تدريجيًا، بينما لا تزال خدمات أخرى تسلك طريق رأس الرجاء الصالح، في انتظار مزيد من الاستقرار الأمني. كما أن شركات منافسة تتبنى النهج نفسه، عبر إعادة بعض الخطوط فقط مع الإبقاء على خطط بديلة جاهزة.
يعتقد مراقبون أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الملاحة عبر البحر الأحمر. فإذا استمر الاستقرار، فقد تستعيد قناة السويس تدريجيًا جزءًا كبيرًا من الحركة التي فقدتها، أما إذا عادت التوترات، فقد تجد شركات الشحن نفسها مضطرة للعودة إلى الالتفاف حول أفريقيا مرة أخرى.
في جميع الأحوال، تؤكد خطوة ميرسك أن قناة السويس لا تزال تمثل القلب النابض للتجارة البحرية العالمية، وأن أي تحسن في أمن البحر الأحمر ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، وأسعار النقل، والاقتصاد المصري على حد سواء.