رعب داخل تل أبيب.. لماذا تخشى إسرائيل التقارب المصري الروسي في محطة الضبعة؟
ذكرت صحيفة الشرق الأوسط إنترناشيونال في نسختها الإنجليزية أن ثمة هواجس إسرائيلية من "النووي المصري"، ورصدت الصحيفة مناورات تل أبيب السياسية في مواجهة تنامي الشراكة المصرية الروسية، وعلى الرغم من أن محطة "الضبعة" النووية المصرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط لم تبدأ عملياتها التشغيلية بعد، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية الداعمة لرئيس الحكومة اليمينية المتطرفة، بنيامين نتنياهو، سارعت إلى تصعيد تحذيراتها، زاعمة أن هذا المشروع قد يمهد الطريق لترسيخ وجود نووي روسي واسع النطاق في قلب الشرق الأوسط.
مخاوف إسرائيلية من التقارب المصري الروسي
ووفقًا لخبراء ومحللين استطلعت الصحيفة آراءهم، فإن هذه المخاوف الإسرائيلية المتصاعدة بشأن القدرات المصرية وشراكاتها الإقليمية المتنامية منذ اندلاع حرب غزة عام 2023، ليست مرشحة الخمود قريبًا؛ بل هي وثيقة الصلة بالتوازنات السياسية الداخلية في إسرائيل، والمنافسة الانتخابية، فضلًا عن مساعي تل أبيب المستمرة لتصدير تهديدات أمنية جديدة للناخب الإسرائيلي، والضغط على القاهرة وشركائها في توقيت تحاول فيه إسرائيل الاستثمار في خطوط التوتر المشتعلة بين واشنطن وموسكو.
"الضبعة".. أرقام إستراتيجية في مواجهة الهلع الإسرائيلي
بالعودة إلى جذور البرنامج النووي المصري، نجد أنه يمتد إلى اتفاقية عام 1956 مع الاتحاد السوفيتي، لكن الانطلاقة الفعلية لأول مشروع طاقة نووية في البلاد بدأت في 19 نوفمبر 2015، حين وقعت مصر وروسيا اتفاقية تشييد محطة "الضبعة" بمحافظة مطروح.
تتوزع ملامح هذا المشروع الضخم وفق المعطيات التالية:
التكلفة والتمويل: تبلغ القيمة الإجمالية للمشروع 30 مليار دولار، مدعومة بقرض روسي قيمته 25 مليار دولار (يغطي 85% من التكلفة)، على أن تبدأ مصر في سداده بأكتوبر 2029 على مدى 35 عامًا، وبمعدل فائدة سنوي يبلغ 3%.
القدرة الإنتاجية والمدى الزمني: صُممت المحطة لتوليد 4،800 ميجاوات من الكهرباء عبر أربعة مفاعلات نووية، وبعمر افتراضي يتجاوز 60 عامًا. ومن المتوقع أن تغطي المحطة نحو 10% من احتياجات مصر الإجمالية من الطاقة بمجرد دخول المفاعل الأول الخدمة بين أواخر 2027 ومنتصف 2028.
رغم هذه الطبيعة المدنية التنموية، ادعى موقع Natziv.net الإسرائيلي مؤخرًا أن "الضبعة" تتجاوز كونها مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، واصفًا إياها بأنها "موطئ قدم نووي محتمل لموسكو" في المنطقة، وزعم الموقع أن التمويل الروسي الضخم، والتزام موسكو بتوريد الوقود وإدارة النفايات النووية لمدة ستة عقود، من شأنه أن يخلق "تبعية إستراتيجية طويلة الأجل" للقاهرة تجاه الروس.
ولم تتوقف التحذيرات الإسرائيلية عند هذا الحد؛ بل امتدت لتشمل المنطقة الصناعية الروسية المزمع إقامتها بالقرب من قناة السويس، معتبرة إياها وجودًا إستراتيجيًا دائمًا في أحد أهم ممرات التجارة العالمية، وعلامة على انزياح القاهرة بعيدًا عن الغرب نحو محور (روسيا - الصين) داخل مجموعة "بريكس" التي انضمت إليها مصر رسميًا في يناير 2024.
سيناريوهات التحريض الإسرائيلي: من القنبلة إلى البيئة
حاولت التحليلات العبرية تجريد المشروع من صبغته السلمية؛ وادعت أن البنية التحتية والخبرات التي تكتسبها مصر من خلال "الضبعة" قد تمنحها مستقبلًا مسارًا قصيرًا نحو خيارات نووية عسكرية أو قدرات لتخصيب الوقود. وعلاوة على ذلك، روجت هذه المنابر لمخاوف بيئية، زاعمة أن أي تسرب إشعاعي محتمل قد يهدد الخط الساحلي الإسرائيلي ومنشآت تحلية المياه هناك، في حين أن التقارب المصري-الروسي قد يضيق هامش المناورة الإستراتيجية لتل أبيب ويضعف النفوذ الأمريكي التقليدي.
وفي السياق ذاته، جاءت قراءة صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية لتصف الحديث عن الطابع السلمي لمحطة الضبعة بأنه "قراءة خاطئة وخطيرة للمشهد"، محاولةً تصوير المشروع كجزء من عملية "تطويق إستراتيجي بطيء" لا تقف فيه إسرائيل على الهامش، بل هي المستهدف الرئيسي منه.
تفكيك الادعاءات: صناعة الأزمات والشرعية الدولية
في المقابل، فكك خبراء ومسؤولون مصريون سابقون هذه الادعاءات الإسرائيلية واضعين إياها في سياقها السياسي الحقيقي؛ حيث أكد السفير رؤوف سعد، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وسفير مصر السابق لدى روسيا، أن هذه التقارير يجب أن تُقرأ في إطار سعي نتنياهو المستمر لتقويض مساعي السلام الإقليمي ومحاولاته الاستفزازية المتكررة تجاه مصر منذ اندلاع حرب غزة، والتي باءت كلها بالفشل. ووصف سعد المزاعم الإسرائيلية بـ "الساذجة والمكشوفة"، مشيرًا إلى أنها مجرد محاولة لتحذير الولايات المتحدة من العودة الروسية للمنطقة، وهي تعكس ضعف موقف نتنياهو الداخلي أكثر مما تعبر عن تهديد أمني حقيقي.
ورجحت الصحيفة أن هذه الحملات الإعلامية تندرج ضمن المحاولات الإسرائيلية المتكررة لـ "صناعة الأزمات"، متوقعة تصاعد حدتها مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، مضيفة أن وسائل الإعلام الموالية لنتنياهو تحاول منذ زمن طويل إقناع الشارع الإسرائيلي بأن مصر تسعى لامتلاك قدرات نووية والتوجه نحو العسكرة، مؤكدًا أن الهدف هو استغلال الملف سياسيًا وصرف الأنظار عن الممارسات الإسرائيلية في المنطقة.
ورغم غياب الرد الرسمي المباشر من القاهرة، يواصل المسؤولون والمحللون المصريون تأكيدهم على أن الاستخدام السلمي للطاقة النووية هو حق أصيل ومشروع تكفله القوانين الدولية؛ مشددين على أن مصر ملتزمة تمامًا بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، وأن مشروع "الضبعة" -على غرار مركز أنشاص للأبحاث النووية- يخضع لرقابة دورية وشاملة من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.