الجمعة 12 يونيو 2026 الموافق 26 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

وول ستريت على موعد مع التاريخ.. سبيس إكس وأوبن إيه آي وأنثروبيك تقود أكبر موجة اكتتابات تكنولوجية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

قبل أكثر من ثلاثة عقود، أشعل طرح شركة نتسكيب شرارة ثورة الإنترنت وأطلق واحدة من أكثر الفترات جنونًا في تاريخ الأسواق المالية، آنذاك كانت الشركات الناشئة تباع للمستثمرين على أساس الوعود والأحلام أكثر مما تُباع على أساس الأرباح والإيرادات.

أما اليوم، فتعيش وول ستريت لحظة مختلفة تمامًا، فالشركات التي تستعد لدخول البورصة ليست مشاريع ناشئة تبحث عن التمويل، بل مؤسسات عملاقة أعادت تشكيل قطاعات كاملة من الاقتصاد العالمي وتدير أعمالًا بمليارات الدولارات سنويًا، وفقا لمجلة فورتشن.

ومع اقتراب إدراج سبيس إكس وأوبن إيه آي وأنثروبيك، يبدو أن الأسواق الأمريكية تقف أمام أكبر موجة اكتتابات تكنولوجية شهدتها على الإطلاق، وهي موجة قد تعيد رسم خريطة الثروة والاستثمار والنفوذ التكنولوجي خلال العقد المقبل.

"سبيس إكس" تفتح الباب أمام حقبة غير مسبوقة

الحدث الأبرز يتمثل في دخول سبيس إكس إلى الأسواق العامة بعد سنوات طويلة من التكهنات والترقب، فالشركة التي بدأت كمغامرة جريئة لاستكشاف الفضاء تحولت إلى واحدة من أكثر المؤسسات نفوذًا في العالم، بعدما أصبحت لاعبًا أساسيًا في إطلاق الأقمار الصناعية وخدمات الاتصالات الفضائية والنقل الفضائي التجاري.

لكن الطرح المرتقب لا يمثل مجرد إدراج لشركة جديدة، بل يُنظر إليه باعتباره اختبارًا تاريخيًا لشهية المستثمرين تجاه شركات التكنولوجيا العملاقة في عصر الذكاء الاصطناعي والفضاء، فالقيمة السوقية المتوقعة للشركة تضعها بين أكبر الشركات المدرجة في العالم، بينما يعكس حجم الإقبال الاستثنائي على أسهمها إيمان المستثمرين بأن اقتصاد الفضاء لم يعد مجرد رؤية مستقبلية، بل أصبح صناعة قائمة بذاتها.

وتزداد أهمية الحدث لأن سبيس إكس نجحت في بناء منظومة أعمال تمتد من إطلاق الصواريخ إلى شبكات الإنترنت الفضائي، ما يجعلها واحدة من أكثر الشركات تنوعًا وتأثيرًا في الاقتصاد التكنولوجي الحديث، وفقا لشبكة سي إن بي سي.

الذكاء الاصطناعي يتجه إلى البورصة

لكن قصة الاكتتابات الكبرى لا تتوقف عند حدود الفضاء، فشركات الذكاء الاصطناعي التي قادت التحول التكنولوجي العالمي خلال السنوات الأخيرة تستعد بدورها للانتقال من الأسواق الخاصة إلى الأسواق العامة.

وتقف أوبن إيه آي في قلب هذا التحول. فالشركة التي أطلقت ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر تشات جي بي تي أصبحت واحدة من أسرع الشركات نموًا في التاريخ الحديث، مع قاعدة مستخدمين تمتد إلى مئات الملايين حول العالم وإيرادات تتزايد بوتيرة استثنائية.

وينظر إلى أي طرح عام محتمل للشركة باعتباره لحظة فارقة ليس فقط لقطاع التكنولوجيا، بل أيضًا لصناعة الاستثمار العالمية، إذ سيمنح المستثمرين فرصة مباشرة للمشاركة في واحدة من أكثر الثورات التقنية تأثيرًا منذ ظهور الإنترنت.

وفي الوقت نفسه، تتحرك أنثروبيك بخطوات متسارعة نحو الأسواق العامة. الشركة التي طورت نموذج "كلود" أصبحت خلال فترة قصيرة منافسًا رئيسيًا في سباق الذكاء الاصطناعي، واستطاعت جذب استثمارات ضخمة من كبرى المؤسسات التكنولوجية والمالية العالمية، وفقا لتقرير سي إن إن بيزنس.

عودة عصر الاكتتابات العملاقة

ما يجعل هذه الموجة مختلفة عن أي فترة سابقة هو حجم الشركات نفسها. ففي الماضي كانت الأسواق تستقبل شركات ناشئة لا تزال تبحث عن نموذج أعمال مستدام، أما اليوم فإن المستثمرين يتعاملون مع شركات تمتلك قواعد عملاء ضخمة وإيرادات بمليارات الدولارات وتأثيرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي.

ولهذا يرى محللون أن المقارنة مع فقاعة الدوت كوم ليست دقيقة بالكامل، فبينما قامت موجة التسعينيات على توقعات مستقبلية غير مؤكدة، تستند موجة اليوم إلى شركات رسخت وجودها بالفعل وأثبتت قدرتها على تحقيق نمو حقيقي وخلق أسواق جديدة بالكامل.

ومع ذلك، فإن ضخامة التقييمات الحالية تعني أيضًا أن سقف التوقعات أصبح مرتفعًا بصورة غير مسبوقة، وهو ما قد يحول حياة هذه الشركات بعد الإدراج إلى اختبار دائم أمام المستثمرين والمحللين.

التحدي يبدأ بعد الجرس

ورغم الاحتفاء التاريخي الذي يرافق الطروحات الكبرى، فإن التجربة تُظهر أن أصعب مرحلة تبدأ بعد دخول البورصة لا قبلها، فالشركات الخاصة تتمتع بمرونة واسعة في اتخاذ القرارات طويلة الأجل، بينما تخضع الشركات المدرجة لضغوط متواصلة من المستثمرين الذين يراقبون كل ربع مالي وكل توقعات مستقبلية وكل مؤشر للنمو.

وفي بيئة استثمارية أصبحت أكثر حساسية تجاه الأداء، لم يعد تحقيق نمو قوي كافيًا لإرضاء الأسواق. بل إن المستثمرين يطالبون باستمرار بتجاوز التوقعات وتحقيق نتائج استثنائية بشكل متكرر، وهو تحدٍ يزداد صعوبة كلما ارتفع حجم الشركة وتضخمت قيمتها السوقية.

لهذا السبب، فإن الإدراج المرتقب لسبيس إكس وأوبن إيه آي وأنثروبيك لا يمثل نهاية رحلة الصعود، بل بداية فصل جديد أكثر تعقيدًا، حيث ستنتقل هذه الشركات من عالم الطموحات الخاصة إلى ساحة وول ستريت القاسية التي لا تعترف إلا بالأرقام.

لحظة تعيد كتابة التاريخ

إذا اكتملت هذه الطروحات خلال الفترة المقبلة، فقد تشهد الأسواق الأمريكية أكبر انتقال للثروة التكنولوجية من القطاع الخاص إلى القطاع العام في تاريخها الحديث. 

كما قد تستقطب مئات المليارات من الدولارات إلى أسواق الأسهم وتفتح الباب أمام جيل جديد من المستثمرين للمشاركة في قصص النمو التي كانت محصورة سابقًا في صناديق رأس المال الجريء والمستثمرين الكبار.

وبينما يترقب العالم أجراس الافتتاح في ناسداك ونيويورك، يبدو أن وول ستريت تقف على أعتاب لحظة قد تذكر مستقبلًا باعتبارها بداية عصر جديد؛ عصر لم تعد تقوده شركات الإنترنت أو الهواتف الذكية، بل شركات الفضاء والذكاء الاصطناعي التي تسعى إلى إعادة تعريف حدود التكنولوجيا نفسها.