نموذج فريد.. كيف نجحت مصر في بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين وموسكو بدون الانحياز لأي طرف؟
نجحت القاهرة في إدارة سياسة الشراكات المتعددة في عالم يتجه إلى الاستقطاب على نحو متزايد، وتكشف ورقة بحثية حديثة صادرة عن مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد عن ملامح نموذج مميز تتبعه مصر في سياستها الخارجية، يقوم على توسيع شبكة الشراكات الدولية مع مختلف القوى الكبرى دون الانخراط في تحالفات حصرية أو اصطفافات استراتيجية طويلة الأمد.
تصنف الورقة مصر ضمن فئة "القوى الوسطى"، وهي الدول التي تمتلك تأثيرًا إقليميًا مهمًا وقدرة على المناورة الدبلوماسية، لكنها لا تمتلك الأدوات الكافية لفرض قواعد النظام الدولي أو إعادة تشكيلهـ ومن هذا المنطلق، ترى الدراسة أن القاهرة نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه، مع الحرص على تجنب الانحياز الكامل لأي طرف.
استراتيجية التوازن بدلا عن الاصطفاف
بحسب الورقة، تعتمد السياسة الخارجية المصرية على مبدأ براغماتي يقوم على الاستفادة من جميع الشركاء الدوليين مع تقليص تكلفة الانخراط في صراعاتهم الجيوسياسية. وقد ظهر ذلك بوضوح في عدد من الملفات الدولية الكبرى، حيث فضلت القاهرة الحفاظ على مساحة واسعة من الحركة الدبلوماسية بدلًا من تبني مواقف حادة قد تحد من خياراتها المستقبلية.
تشير الدراسة إلى أن هذا النهج منح مصر قدرة ملحوظة على التعامل مع بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات المنافسة بين القوى الكبرى، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين واستمرار التنافس بين الغرب وروسيا.
الاقتصاد في قلب المعادلة الجيوسياسية
ترى الورقة أن المحرك الرئيسي لهذه السياسة لا يرتبط فقط بحسابات الأمن القومي أو التوازنات الإقليمية، بل يرتبط أيضًا بالاحتياجات الاقتصادية الداخلية. فخلال السنوات الماضية نفذت الدولة المصرية سلسلة واسعة من المشروعات القومية والاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والنقل والطاقة والعمران، ما تطلب تدفقات مستمرة من التمويل والاستثمار الخارجي.
نجحت القاهرة في جذب الدعم من مصادر متعددة في الوقت نفسه، سواء من المؤسسات المالية الدولية أو من شركاء إقليميين ودوليين، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها السياسي ودورها في استقرار منطقة الشرق الأوسط.
الصين.. نموذج واضح للتعاون الاقتصادي
تخصص الدراسة مساحة مهمة للعلاقات المصرية الصينية بوصفها نموذجًا واضحًا لسياسة تنويع الشراكات. فمنذ إطلاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، شهدت الاستثمارات الصينية في مصر نموًا ملحوظًا، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تحولت إلى إحدى أهم الوجهات الصناعية والاستثمارية للشركات الصينية في المنطقة.
لكن الورقة تشير في الوقت ذاته إلى أن توسيع التعاون الاقتصادي مع بكين لم يقترن بانحياز سياسي كامل للمواقف الصينية في القضايا الدولية الحساسة، وهو ما يعكس رغبة القاهرة في الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي وعدم ربط مصالحها الاستراتيجية بقوة دولية واحدة.
نجاح راهن وتحديات مستقبلية
رغم أن الدراسة تعتبر هذه المقاربة ناجحة إلى حد كبير في المدى القريب، فإنها تحذر من وجود تحديات هيكلية قد تؤثر في استدامتها مستقبلًا. فمن الناحية الاقتصادية، تشير الورقة إلى أهمية تعزيز الإنتاجية والاستثمار الخاص وتقليل الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية بوصفها مصادر رئيسية للنمو.
أما على المستوى الدولي، فتلفت الدراسة إلى أن تزايد الاستقطاب بين القوى الكبرى قد يفرض على العديد من الدول الوسطى خيارات أكثر صعوبة في المستقبل. وإذا انتقلت المنافسة الدولية إلى مرحلة تتطلب من الشركاء تحديد مواقف أكثر وضوحًا، فقد تصبح سياسة التوازن بين الأطراف المختلفة أكثر تعقيدًا من السابق.
قوة المناورة في عالم متغير
وتخلص الورقة إلى أن التجربة المصرية تمثل نموذجًا لسياسة خارجية تركز على تعظيم هامش المناورة وتحويل الموقع الجيوسياسي إلى أداة لتحقيق المكاسب الاقتصادية والتنموية. فبدلًا من الانخراط في محاور متنافسة، تسعى القاهرة إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات تسمح لها بالاستفادة من الفرص التي توفرها مختلف القوى الدولية.
غير أن نجاح هذا النموذج على المدى الطويل سيظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد المصري على تحقيق معدلات نمو أكثر استدامة، وبمدى قدرة النظام الدولي نفسه على استيعاب سياسات التوازن التي تتبناها القوى الوسطى في عصر يتجه تدريجيًا نحو مزيد من الاستقطاب والمنافسة الجيوسياسية.