الجمعة 12 يونيو 2026 الموافق 26 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

كيف ساهمت مصر ودول الخليج في إقناع ترامب بالتراجع عن ضرب إيران؟

أرشيفية
أرشيفية

في لحظة بدت فيها المنطقة على بُعد ساعات فقط من مواجهة عسكرية جديدة، كانت هواتف القادة تدور بوتيرة أسرع من تحرك الطائرات الحربية، وبينما كانت واشنطن تضع اللمسات الأخيرة على ضربة محتملة ضد إيران، انطلقت خلف الكواليس عملية دبلوماسية مكثفة شاركت فيها عواصم عربية وآسيوية عدة، نجحت في تغيير مسار الأحداث ودفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التراجع عن قرار كان من شأنه إشعال واحدة من أخطر الأزمات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لصحيفة "جيروزاليم بوست".

ساعات حاسمة

خلال مساء الحادي عشر من يونيو، كانت المؤشرات القادمة من واشنطن توحي بأن المواجهة العسكرية أصبحت أقرب من أي وقت مضى، إلا أن ترامب فاجأ الجميع بإعلان إلغاء الضربات التي كان من المقرر تنفيذها ضد أهداف إيرانية، مؤكدًا أن تقدمًا مهمًا تحقق على المسار الدبلوماسي، وأن الأطراف المعنية وافقت على إطار تفاهم أولي يمهد لتسوية أوسع.

وبدا القرار مفاجئًا للرأي العام، لكنه لم يكن وليد اللحظة. فبحسب تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، سبقت الإعلان اتصالات مكثفة شارك فيها عدد من قادة المنطقة، الذين حذروا الإدارة الأمريكية من أن أي هجوم على إيران قد يفتح الباب أمام موجة تصعيد واسعة يصعب احتواؤها.

وكانت الرسالة الأساسية التي وصلت إلى البيت الأبيض واضحة: المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، والفرصة الدبلوماسية لا تزال قائمة.

الخليج يتحرك لحماية استقرار المنطقة

لعبت دول الخليج دورًا محوريًا في تلك اللحظات الحساسة؛ إذ كانت العواصم الخليجية تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لن تبقى محصورة داخل حدود البلدين، بل ستنعكس فورًا على أمن الخليج وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

وخلال الأشهر السابقة للأزمة، نقل قادة الخليج إلى واشنطن مخاوفهم المتزايدة من أن يؤدي التصعيد إلى استهداف البنية التحتية النفطية أو القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وهو ما قد يحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

ومع اقتراب ساعة الصفر، كثفت هذه الدول اتصالاتها بالإدارة الأمريكية، مؤكدة أن هناك نافذة حقيقية للتوصل إلى تفاهمات مع طهران، وأن منح الدبلوماسية فرصة إضافية سيكون أقل كلفة بكثير من الدخول في صراع قد يمتد لسنوات.

القاهرة تتحرك عبر دبلوماسية متعددة المسارات

في المقابل، ووفقًا لصحيفة "الشرق الأوسط" في نسختها الإنجليزية، لم يقتصر الدور المصري على الدعوات العلنية للتهدئة، بل جاء ضمن إطار دبلوماسي أوسع يهدف إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.

فمنذ اندلاع الأزمة، شاركت مصر في سلسلة مشاورات إقليمية جمعتها بالسعودية وتركيا وباكستان، ضمن آلية تنسيق رباعية هدفت إلى توحيد المواقف الإقليمية ودعم المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران.

وركزت هذه المشاورات على المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية لأي حرب جديدة، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد الدولية، وأمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية.

كما واصلت القاهرة اتصالاتها المباشرة مع مختلف الأطراف، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أي انفجار عسكري واسع في الخليج ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي على حد سواء.

باكستان تؤدي دور الوسيط الهادئ

وفي الوقت الذي كانت فيه العواصم العربية تمارس ضغوطًا سياسية لاحتواء الأزمة، برزت باكستان كأحد أهم الوسطاء القادرين على التواصل مع مختلف الأطراف.

واستفادت إسلام آباد من علاقاتها المتوازنة مع كل من واشنطن وطهران للمساعدة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وهو ما منح الجهود الدبلوماسية زخمًا إضافيًا في اللحظات الأخيرة قبل اتخاذ القرار الأمريكي.

ويرى مراقبون أن الدور الباكستاني ساهم في تقديم ضمانات سياسية إضافية للإدارة الأمريكية بأن فرص التهدئة لا تزال قائمة، الأمر الذي عزز موقف الأطراف الداعية إلى تأجيل الخيار العسكري.

إسرائيل أمام مفاجأة غير متوقعة

أثار التحول المفاجئ في الموقف الأمريكي أيضًا تساؤلات واسعة داخل إسرائيل، التي كانت تتابع تطورات الأزمة عن كثب.

فبينما تحدث ترامب عن توافق واسع بين عدد من الدول الإقليمية والدولية بشأن إطار تفاهم جديد، بدت الرواية الإسرائيلية أكثر تحفظًا؛ إذ أشارت تقارير إعلامية عبرية إلى أن تل أبيب لم تعتبر أن اتفاقًا نهائيًا قد تم التوصل إليه.

وكشف هذا التباين حجم التعقيد الذي ما زال يحيط بالمشهد، وأظهر أن التهدئة الحالية قد تكون أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منها إلى تسوية مكتملة الأركان.

اتفاق مؤجل أم أزمة مؤجلة؟

ورغم نجاح الجهود الإقليمية في إبعاد شبح الضربة العسكرية، فإن الأسئلة الجوهرية ما زالت بلا إجابات واضحة.

ففي الوقت الذي تحدث فيه ترامب عن تفاهمات متقدمة، صدرت من طهران إشارات متناقضة بشأن وجود اتفاق فعلي، ما يعكس استمرار الفجوة بين ما أُعلن سياسيًا وما تم التوصل إليه عمليًا على طاولة التفاوض.

وتكشف هذه التطورات أن مصر ودول الخليج وباكستان وتركيا باتت تمتلك ثقلًا سياسيًا متزايدًا يسمح لها بالتأثير في مسار الأزمات الكبرى، وأن منع الحرب لم يعد قرارًا تتخذه القوى الكبرى وحدها، بل أصبح رهنًا أيضًا بقدرة القوى الإقليمية على فرض منطق الاستقرار على حساب التصعيد.