المؤسسة الدفاعية البريطانية تنقلب على ستارمر.. استقالات مدوية تفتح باب التساؤلات حول مستقبل رئيس الوزراء
لم يعد السؤال في لندن يتعلق بخطة الدفاع البريطانية، بل بمستقبل رئيس الوزراء كير ستارمر نفسه، وفرص بقاءه بالمنصب، فبعد ساعات فقط من استقالة وزير الدفاع جون هيلي ونائبه آل كارنز احتجاجًا على ما اعتبراه تقاعسًا حكوميًا عن تمويل الجيش، وجد ستارمر نفسه مضطرًا للخروج أمام الكاميرات مؤكدًا أن الدفاع هو "أولوية رقم واحد" لحكومته، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي.
لكن المشكلة أن هذا التأكيد جاء فيما لا تزال خطة الاستثمار الدفاعي، التي كان يفترض إقرارها منذ الخريف الماضي، عالقة دون اتفاق نهائي، وفي وقت تتحدث فيه أوساط عسكرية عن احتمال استقالات إضافية داخل المؤسسة الأمنية.
خوض معركة بقاء سياسية
وبينما يستعد ستارمر للتوجه إلى قمة مجموعة السبع ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسط تصاعد المخاوف الأمنية في أوروبا، تبدو حكومته وكأنها تخوض معركة بقاء سياسية بقدر ما تخوض نقاشًا حول الموازنة العسكرية، كما ترجح صحيفة دايلي ميل.
ما حدث خلال الساعات الماضية يعد من أخطر الأزمات التي واجهت حكومة حزب العمال منذ وصولها إلى السلطة. فاستقالة وزير الدفاع ليست حدثًا يوميًا في السياسة البريطانية، أما استقالة وزير القوات المسلحة في اليوم ذاته، مصحوبة برسائل علنية تنتقد رئيس الوزراء ووزارة الخزانة، فتمثل تحديًا مباشرًا لسلطة الحكومة وتماسكها الداخلي.
رصاصتان سياسيتان في يوم واحد
بدأت الأزمة عندما أعلن جون هيلي استقالته من وزارة الدفاع، متهمًا الحكومة بعدم توفير التمويل اللازم لحماية بريطانيا في ظل عالم يزداد اضطرابًا وخطورة، وبعد ساعات قليلة فقط، تبعه آل كارنز، وزير القوات المسلحة والضابط السابق في قوات المارينز الملكية، معلنًا استقالته للأسباب نفسها.
حملت الرسالتان مضمونًا واحدًا تقريبًا: أن الحكومة تتحدث كثيرًا عن الأمن القومي لكنها لا توفر الأموال الكافية لتحقيق أهدافها، ووفقًا لما كشفه هيلي، فإن الخطط التي وافق عليها ستارمر ووزارة الخزانة سترفع الإنفاق الدفاعي بوتيرة متواضعة للغاية خلال السنوات المقبلة، وهو ما اعتبره غير كافٍ في ظل التحديات الأمنية الحالية.
وبالنسبة لكارنز، فإن المشكلة لا تتعلق بالأرقام فقط، بل بسرعة تطور طبيعة الحروب الحديثة. فالتكنولوجيا العسكرية تتغير بوتيرة متسارعة، بينما تبقى آليات التمويل والمشتريات الحكومية أبطأ من مواكبة هذا التحول.
أزمة تتجاوز الموازنة
ظاهريًا، تبدو القضية مجرد خلاف على حجم الإنفاق العسكري. لكن خلف الكواليس، تكشف الأزمة عن صدام أعمق بين المؤسسة الدفاعية البريطانية والحكومة.
وترى شخصيات عسكرية وأمنية بارزة أن بريطانيا تواجه بيئة استراتيجية أكثر خطورة من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، وأن التردد في زيادة الإنفاق الدفاعي قد يضعف قدرة البلاد على الردع ويؤثر على مكانتها الدولية.
معضلة ستارمر الحقيقية
المشكلة التي تواجه رئيس الوزراء لا تكمن في قناعته بأهمية الدفاع، بل في قدرته على تمويل هذه الطموحات، فالحكومة تعهدت بتحديث القوات المسلحة، وتعزيز الصناعات الدفاعية، والمساهمة بقوة أكبر في التزامات الناتو، لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب مليارات إضافية في وقت تواجه فيه الخزانة ضغوطًا متزايدة بسبب الإنفاق على الصحة والرعاية الاجتماعية والبنية التحتية، إضافة إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وهنا يظهر التناقض الذي أصبح محور الانتقادات الموجهة إلى ستارمر: خطاب دفاعي طموح يقابله تمويل لا يرقى إلى مستوى تلك الطموحات.
وتشير تقديرات متعددة إلى أن الحكومة لا تزال بعيدة عن تلبية التوقعات التي تطرحها المؤسسة العسكرية، الأمر الذي يفسر حجم الغضب الذي تفجر داخل وزارة الدفاع.
المؤسسة العسكرية تفقد صبرها
اللافت في الأزمة الحالية أن الانتقادات لم تعد تصدر فقط عن سياسيين معارضين أو صحف محافظة، بل باتت تأتي من شخصيات عسكرية وأمنية لها وزن كبير داخل الدولة البريطانية.
وتزايدت المخاوف بعدما ترددت تقارير عن احتمال استقالات إضافية في حال لم تُعد الحكومة النظر في خططها الدفاعية، كما أثار التأخير الطويل في تعيين البدلاء وغياب اتفاق نهائي على خطة الاستثمار الدفاعي تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على احتواء الأزمة.
وبينما حاول ستارمر إظهار صورة من الاستقرار عبر اجتماعات وتصريحات علنية، فإن المشهد العام أوحى بأن الأزمة أبعد من أن تُحل بحركة وزارية سريعة.
أزمة قيادة تلوح في الأفق
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه ستارمر بالفعل ضغوطًا سياسية متزايدة داخل حزب العمال، فقد تراجعت شعبيته مقارنة ببدايات عهده، وبدأت أسماء بارزة داخل الحزب تُطرح كبدائل محتملة إذا استمرت الحكومة في فقدان زخمها السياسي.
وزاد من خطورة الموقف أن بعض الشخصيات المؤثرة لم تعد تستبعد علنًا احتمال حدوث منافسة على قيادة الحزب خلال المرحلة المقبلة، ما جعل أزمة الدفاع تتحول تدريجيًا إلى اختبار مباشر لمستقبل رئيس الوزراء نفسه، ولذلك لم تعد الاستقالات تقرأ باعتبارها خلافًا فنيًا حول الموازنة، بل كإشارة إلى اهتزاز الثقة السياسية في قيادة ستارمر داخل دوائر كانت تُعد حتى وقت قريب من أقرب الداعمين لحكومته.
هل بدأ العد التنازلي؟
لا يزال من المبكر الحديث عن نهاية وشيكة لحكومة ستارمر. فحزب العمال يحتفظ بأغلبيته البرلمانية، ورئيس الوزراء أعلن بوضوح أنه لن يستقيل وسيخوض أي تحدٍّ لقيادته إذا فُرض عليه، لكن السياسة البريطانية كثيرًا ما أثبتت أن الحكومات لا تسقط بسبب أزمة واحدة، بل بسبب تراكم الأزمات وفقدان الهيبة تدريجيًا.
ومن هذه الزاوية، قد تسجل استقالتا جون هيلي وآل كارنز كنقطة تحول مفصلية في عهد ستارمر، فحين يخرج كبار المسؤولين العسكريين للاحتجاج على سياسات الحكومة، وحين تصبح الخلافات الدفاعية مادة يومية للنقاش حول مستقبل القيادة السياسية، فإن القضية تتجاوز بكثير حدود الإنفاق العسكري.
- موازنة
- قمة مجموعة السبع
- القوات المسلحة
- بريطانيا
- العمال
- وزارة الدفاع
- لندن
- حزب العمال
- الجيش
- بى بى سى
- ستارمر
- الساعات الماضية
- تطور
- السياسة البريطانية
- كير ستارمر
- وزير الدفاع البريطاني
- جون هيلي
- آل كارنز
- وزارة الدفاع البريطانية
- الإنفاق العسكري
- الأمن القومي
- حلف الناتو
- الحكومة البريطانية
- الأزمة السياسية
- البرلمان البريطاني
- داونينج ستريت





