بعد 6 سنوات من بريكست.. بيرنهام يضع العودة للاتحاد الأوروبي على الطاولة وماكرون يرحب
دخل ملف بريكست مرحلة سياسية مختلفة بعدما وضع رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام احتمال عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي ضمن الخيارات التي تريد حكومته بحثها لعلاقة بريطانيا المستقبلية مع القارة، لتأتي الإجابة الفرنسية سريعة ومباشرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "أهلا بعودتكم"، وفقا لصحيفة لوموند.
تصريح بيرنهام، الذي جاء خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية بالتزامن مع مؤتمر حزب العمال في ليفربول، لا يعني أن لندن تقدمت بطلب للعودة إلى الاتحاد، لكنه كسر حاجزا سياسيا ظل قائما منذ استفتاء 2016.
وقال رئيس الوزراء البريطاني إن الخيارات أمام بلاده يمكن أن تبدأ من الإبقاء على الترتيبات الحالية، وتمتد إلى الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة، وصولا إلى العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.
بيرنهام يضع الخيارات كلها على الطاولة
قال بيرنهام إن بريطانيا تحتاج إلى تحديد العلاقة التي تريدها مع أكبر شريك تجاري لها، وإن حكومته ستبحث ما يمكن تنفيذه وما تحمله كل صيغة من فوائد وتكاليف.
وفي حديثه إلى بي بي سي، لم يعلن رئيس الوزراء اختيارا نهائيا، لكنه لم يستبعد الوصول إلى أبعد صيغة ممكنة، بما فيها إعادة الانضمام إلى الاتحاد.
ويأتي ذلك بعد أن قال في مؤتمر حزب العمال إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ألحق بالبلاد أضرارا اقتصادية أكبر من فوائده، وربط بريكست بفترة طويلة من ضعف النمو.
وتعتزم الحكومة البريطانية عرض خيارات مختلفة قبل قمة مرتقبة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في بروكسل خلال نوفمبر.
هذه اللغة تختلف بوضوح عن موقف حزب العمال في انتخابات 2024، عندما استبعد برنامجه الانتخابي العودة إلى الاتحاد الأوروبي أو السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، أما حكومة بيرنهام فتتعامل حاليا مع هذه الصيغ باعتبارها خيارات تستحق الدراسة، من دون إعلان قرار بشأن أي منها.
ماذا قال ماكرون؟
التقط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التحول البريطاني بسرعة. ففي مدريد، قال إن عودة بريطانيا إلى الاتحاد ستكون "أخبارا جيدة جدا" لبريطانيا وللأوروبيين، ثم وجه رسالته القصيرة: "أهلا بعودتكم".
لكن الرئيس الفرنسي وضع شرطًا سياسيًا واضحًا أمام أي عودة محتملة: “بريطانيا لا تستطيع اختيار الحريات والمزايا التي تناسبها وترك الالتزامات المرتبطة بعضوية الاتحاد”.
الفكرة نفسها عبر عنها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف بريكست بأنه خسارة كبيرة لبريطانيا وللمشروع الأوروبي، وقال إن إسبانيا سترحب بعودة بريطانيا إذا اختارت لندن إعادة الانضمام.
لندن أمام أربع صيغ مختلفة
المناقشة البريطانية الحالية لا تدور حول خيارين فقط، البقاء خارج الاتحاد أو العودة إليه. هناك مجموعة ترتيبات تقع بين الوضع الحالي والعضوية الكاملة.
أولها استمرار العلاقة وفق الاتفاقات القائمة بعد بريكست، مع محاولة تحسين بعض الملفات، والثاني الانضمام إلى الاتحاد الجمركي، بما يقلل بعض الحواجز أمام حركة السلع، والثالث العودة إلى السوق الموحدة، وهو خيار أوسع يرتبط بقواعد السوق الأوروبية وحركة السلع والخدمات ورأس المال والأشخاص.
أما الخيار الرابع فهو الأكثر حساسية سياسيا، ويتمثل في تقديم طلب جديد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن هذه الصيغ ليست متساوية في الالتزامات، فكلما اقتربت بريطانيا من مؤسسات السوق الأوروبية، زادت حاجتها إلى الالتزام بقواعد أوروبية لا تشارك حاليا في صياغتها من داخل مؤسسات الاتحاد.
لماذا لا تعني تصريحات بيرنهام عودة قريبة؟
العودة إلى الاتحاد ليست قرارا تتخذه الحكومة البريطانية منفردة، إذا تقدمت لندن بطلب عضوية جديدة، فسوف تدخل في مسار الانضمام المنصوص عليه في معاهدات الاتحاد الأوروبي، مع تقييم شروط العضوية وموافقة الدول الأعضاء والمؤسسات الأوروبية.
كما أن بريطانيا لن تستعيد تلقائيا الوضع الذي كانت تتمتع به قبل بريكست، فالعضوية الجديدة ستكون عملية تفاوضية مستقلة، وقد تطرح خلالها الدول الأوروبية ملفات تتعلق بالقواعد الاقتصادية، والمساهمات المالية، وترتيبات السوق الموحدة، وحقوق المواطنين وغيرها من الملفات.
لهذا تبدو قمة بريطانيا والاتحاد الأوروبي المرتقبة في نوفمبر أكثر أهمية من العبارات المتبادلة بين لندن وباريس، فالاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل التي تستطيع الحكومة البريطانية وضعها على طاولة التفاوض، وما الذي تقبله بروكسل في المقابل.
هل يستطيع بيرنهام إعادة فتح ملف بريكست؟
سياسيًا، يفتح رئيس الوزراء البريطاني ملفًا شديد الحساسية داخل بلاده، فبريكست كان أحد أكبر الانقسامات السياسية في بريطانيا خلال العقد الماضي، وما زالت قضية العلاقة مع أوروبا مرتبطة بقضايا التجارة والهجرة والتنظيم الاقتصادي والسيادة.
لكن طرح الخيارات لا يساوي اتخاذ قرار بالعودة. بيرنهام قال إن الحكومة تريد دراسة البدائل ومعرفة ما يمكن تنفيذه، كما أشار إلى أن إجراء استفتاء جديد ليس الخيار المناسب في الوقت الحالي، بينما ترك الباب مفتوحا أمام تطورات مستقبلية.
وهكذا أصبحت المعادلة البريطانية مختلفة عن السنوات الأولى التي أعقبت الاستفتاء، فالنقاش لم يعد يدور فقط حول تنفيذ بريكست، بل حول تكلفة العلاقة الحالية وما الذي يمكن لبريطانيا الحصول عليه من علاقة أقرب إلى أوروبا.
أما بروكسل، فتملك مصلحة في تحسين التعاون مع لندن في ملفات التجارة والأمن والطاقة والشباب، لكنها لا تبدو مستعدة لمنح بريطانيا مزايا السوق الأوروبية مع إعفائها من قواعد العضوية أو الالتزامات المرتبطة بها.
وهذا هو تحدي المرحلة المقبلة: تحديد مقدار القرب الذي تريده لندن، ومقدار القواعد الأوروبية التي تقبل الالتزام بها، وما إذا كان الطرفان يستطيعان تحويل لغة التقارب إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ.





