تصعيد مصري إثيوبي في السفارات.. تيجراي وسد النهضة يعيدان التوتر إلى القرن الأفريقي
في غضون ساعات، انتقلت الخلافات الجيوسياسية حول القرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى أروقة السفارات، بعدما أصدرت إثيوبيا قرارًا متهورًا يطالب دبلوماسيًا مصريًا بمغادرة البلاد، ووفقا لمجلة دبلوماتيك إنسايت، المتخصصة في الشؤون الخارجية ومقرها إسلام أباد.
وردت القاهرة بالمثل، حيث جرى اعتبار مستشار السفارة الأثيوبية بالقاهرة شخصًا غير مرغوب فيه وأمهلته السلطات المصرية 48 ساعة لمغادرة البلاد، وذلك بالتزامن مع تصاعد المواجهات في تيجراي، مما جعل قضية مياه النيل وسد النهضة تعود إلى واجهة المشهد.
تأتي هذه الإجراءات بالتزامن مع أزمة أكبر بين إثيوبيا وإريتريا، بعدما أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين، لترد إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وفقا لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية.
تصدير الأزمة إلى الخارج
تحاول إثيوبيا تصدير أزمتها في الشمال إلى الخارج بافتعال خلافات دبلوماسية لصرف الأنظار عن تجدد القتال ببعض المناطق، وفقا لتقديرات الخبراء التي نشرتها واشنطن بوست، وفي القاهرة، وصفت مصادر رسمية القرار الإثيوبي بأنه مؤسف وغير مبرر.
انهيار الهدوء في تيجراي
عاد القتال إلى تيجراي بعد انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق بريتوريا عام 2022. وتحاول القوات الموالية للحكومة استعادة مدينة ألاماتا الاستراتيجية، فيما امتد القلق إلى إقليم عفر وظهرت مخاوف من اتساع المواجهات.
وسمع دوي انفجارات في أديس أبابا، بينما تحدثت تقارير عن هجمات بطائرات مسيرة، في تطور يزيد الضغط على حكومة آبي أحمد ويدفعها إلى إعادة توزيع قواتها ومواردها.
النيل.. أصل الخلاف
يبقى ملف المياه في قلب الحسابات، فتعتمد مصر على النيل في أكثر من 98% من مواردها من المياه العذبة، وتحصل وفقا لاتفاق 1959 مع السودان على 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وتقول القاهرة إن أي ترتيبات أحادية بشأن النهر يمكن أن تضغط على مياه الشرب والزراعة والأمن الغذائي.
وتتمسك مصر والسودان باتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بينما تؤكد إثيوبيا حقها في استغلال مواردها لتوليد الكهرباء والتنمية.
وفي سبتمبر، قال وزير الري هاني سويلم إن مصر تواجه ندرة مائية حادة، وإن نصيب الفرد لا يتجاوز نحو 472 مترًا مكعبًا سنويًا، بينما تحتاج البلاد إلى نحو 123 مليار متر مكعب لتلبية احتياجاتها.
السدود الثلاثة تعمق الخلافات
لم يتوقف الخلاف عند سد النهضة، فقد أعلنت إثيوبيا خططا لبناء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، وهو ما أثار اعتراضا مصريا قويا.
وتقدر دراسات وخبراء مصريون نقلت عنهم ذا ناشيونال سعة كل سد مقترح بنحو 30 إلى 40 مليار متر مكعب، مقابل نحو 75 مليار متر مكعب لسد النهضة. ويرى الجانب المصري أن إدارة مياه نهر عابر للحدود لا يمكن أن تقوم على قرارات أحادية.
السيسي: الدبلوماسية مع حماية مصر
وسط التصعيد، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن القاهرة تترك مساحة للدبلوماسية والحلول السلمية في الخلاف مع إثيوبيا، لكنه شدد على أن ذلك لن يكون على حساب وجود مصر وشعبها.
كما قال وزير الخارجية بدر عبد العاطي إن مصر تحتاج إلى مضاعفة حصتها من مياه النيل، وليس الاكتفاء بالحفاظ عليها.
القرن الأفريقي في قلب المعادلة
تتجاوز حسابات القاهرة ملف المياه إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا وتسعى إلى منفذ بحري، بينما عززت مصر تعاونها مع دول مجاورة لإثيوبيا، بينها إريتريا وجيبوتي والصومال، بالتوازي مع حضور عسكري وأمني متنام في المنطقة، وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بالنسبة لمصر بسبب اتصال البحر الأحمر بأمن قناة السويس وباب المندب.
وفي المقابل، تحدثت تقارير عن استعداد إثيوبيا لسحب أكثر من 3 آلاف جندي من الصومال، مع حاجة الحكومة إلى إعادة توجيه مواردها نحو المواجهات الداخلية، ما يكشف حجم الضغط الذي تفرضه الخلافات المتشابكة على أديس أبابا.
موقف الاتحاد الأفريقي
دعا الاتحاد الأفريقي مصر وإثيوبيا وإريتريا إلى أقصى درجات ضبط النفس، وحث الدول الثلاث على معالجة خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية والحوار السلمي، محذرا من خطوات أو تصريحات قد تزيد التوتر وتهدد الاستقرار الإقليمي.
وتضع هذه التطورات مصر أمام مشهد إقليمي متحرك، تتحول فيه الخلافات الثنائية إلى شبكة مصالح متداخلة، ما يجعل استمرار قنوات الاتصال ضرورة لتجنب اتساع دائرة التوتر في القرن الأفريقي.





