برأسمال مليار جنيه.. كيف تسعى مصر لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة؟
في محاولة لإعادة إدارة طاقات صناعية معطلة داخل الاقتصاد المصري لسنوات، أطلقت مصر صندوقا لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأسمال مليار جنيه، يستهدف المشاركة في رؤوس أموال المنشآت الصناعية ذات المقومات التشغيلية الواعدة، وإعادة ترتيب أوضاعها المالية والتشغيلية بما يسمح بعودتها إلى الإنتاج، وفقا لتقرير نشرته بلومبرج.
وكان محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله ووزير الصناعة خالد هاشم قد أعلنا إطلاق الصندوق، بمشاركة 5 بنوك هي البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، والبنك العربي الأفريقي الدولي، والبنك الزراعي المصري، والبنك المصري لتنمية الصادرات، فيما تتولى شركة سي آي كابيتال إدارة الصندوق.
مليار جنيه لمعالجة «عنق الزجاجة» الصناعي
لا يقوم الصندوق على ضخ قروض جديدة في مصانع متعثرة دون تشخيص، وإنما يعتمد على المشاركة في رؤوس الأموال وإعادة الهيكلة. وتشمل التدخلات المحتملة إعادة هيكلة القروض، وضخ رؤوس أموال جديدة، ورفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز الحوكمة، بحيث يرتبط التمويل بخطة لإعادة المصنع إلى النشاط بدلا من إضافة مديونية جديدة إلى منشأة تعاني خللا هيكليا.
ويستهدف الصندوق رفع قيمة المنشآت المستهدفة وتعزيز قدرتها على النمو والاستدامة، مع توجيه رأس المال إلى المصانع التي يمكن أن تستعيد إنتاجها بالفعل، وليس إلى حالات تعثر يصعب إنقاذها اقتصاديا.
11 ألف مصنع في خلفية الأزمة
يتحرك الصندوق داخل ملف صناعي واسع؛ إذ أشارت بيانات حكومية خلال 2025 إلى حصر نحو 11 ألف مصنع متعثر، جرى حل مشكلات فنية لعدد كبير منها، بينما ظل نحو 6 آلاف مصنع يواجه صعوبات مالية. لكن رقم الـ6 آلاف يعود إلى حصر سابق، ولا ينبغي اعتباره حصرا نهائيا حديثا للمصانع المستهدفة بالصندوق الجديد.
وتعمل وزارة الصناعة حاليا على منظومة لحصر المصانع المتعثرة وتقييمها بواسطة خبراء، بهدف تحديد المسار المناسب لكل منشأة، سواء بإعادة الهيكلة المالية، أو إدخال مستثمر، أو معالجة مشكلات فنية وتشغيلية، أو ضخ رأس مال جديد.
36 مصنعا دخلت مرحلة الفرز
وتكشف الأرقام الأولية للمنظومة حجم المرحلة التي تسبق ضخ الأموال؛ إذ سجل 36 مصنعا بياناته في منظومة دعم المصنعين حتى سبتمبر، تمهيدا لتقييم أوضاعها وتحديد مدى أهليتها للاستفادة من أدوات إعادة الهيكلة.
وهنا يتضح أن المليار جنيه ليس مخصصا تلقائيا لانضمام آلاف المصانع، وإنما يمثل رأسمالا استثماريا سيجري توجيهه وفقا لجدوى كل حالة، وهو ما يجعل عملية الاختيار والتقييم عاملا حاسما في نجاح الصندوق.
150 مليار جنيه قبل المليار الجديد
ويأتي الصندوق ضمن حزمة أوسع لدعم الصناعة. فقد تجاوزت التمويلات التي حصلت عليها المصانع في إطار مبادرة التمويل الصناعي الميسر 150 مليار جنيه، بينما خصصت مبادرة أخرى 30 مليار جنيه لتمويل خطوط الإنتاج.
وفي سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الصناعة خططا لصناديق استثمارية متخصصة، بينها صندوق بالتعاون مع سي آي كابيتال برأسمال مبدئي يصل إلى مليار جنيه، إلى جانب تحركات مع مؤسسات استثمارية أخرى، بينها كايرو كابيتال.
كما كشف عن مبادرة تمويلية بقيمة 10 مليارات جنيه في مرحلتها الأولى، تستهدف دعم بعض المصانع وسداد جزء من ديونها وفقا لشروط محددة.
من التمويل إلى ملكية المصنع
وأشار التقرير إلى أن الفارق الأساسي في الصندوق الجديد أن الدولة تتحرك من منطق إقراض المصنع إلى إمكانية الاستثمار في رأسماله. وهذه النقلة تعني أن معالجة التعثر يمكن أن تشمل هيكل الملكية والإدارة والديون والتشغيل في وقت واحد.
وكانت نماذج سابقة لمعالجة المصانع المتعثرة تضع سقفا يصل إلى 50 مليون جنيه للمشروع الواحد، مع فترات استثمار تمتد إلى نحو 3 سنوات، بينما يستمر الصندوق لمدة 5 سنوات.
ويتيح النموذج الجديد مرونة أكبر في التعامل مع الحالات التي تمتلك أصولا قائمة، مثل الأراضي والمباني والمعدات والتراخيص والخبرات والعمالة، لكنها فقدت قدرتها على تشغيل تلك الأصول بسبب اختلال مالي أو إداري.
الاختبار الحقيقي ما بعد المليار
ودعت وزارة الصناعة المصانع المتعثرة الراغبة في الاستفادة من الصندوق إلى التسجيل عبر منظومة دعم المصنعين، لتخضع الطلبات للتقييم قبل تحديد خطة التدخل.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي؛ فنجاح الصندوق لن يقاس بحجم الأموال التي سيضخها، وإنما بعدد المصانع التي ستعود فعليا إلى خطوط الإنتاج، وحجم الطاقة الإنتاجية المستعادة، والوظائف التي ستعود، وسلاسل التوريد التي ستتحرك من جديد.
ويمنح النموذج مصر فرصة لاستعادة قيمة اقتصادية مجمدة داخل أصول صناعية قائمة، لكن المليار جنيه لن يكون سوى نقطة البداية؛ أما الرهان الأكبر فهو تحويل رأس المال إلى إنتاج ومبيعات واستثمارات جديدة، بدلا من أن ينتهي إلى دورة أخرى من الديون والتعثر.





