«مخزون الغاز الأدنى منذ عقدين».. أوروبا تواجه شتاءً مكلفًا وسط اضطرابات إمدادات الخليج
تدخل أوروبا الشتاء بمخزون غاز طبيعي يعتبر الأدنى منذ عقدين، إذ لا تتجاوز نسبة الامتلاء في المرافق الأرضية نحو 68%، وسط اضطرابات مستمرة في إمدادات الغاز المسال من الخليج وموجات حر صيفية أعاقت إعادة التعبئة.
واستقرت الأسعار عند نحو 78 يورو لكل ميغاواط/ساعة، قرب أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف، وفقا لصحيفة تريدنج إيكونومكس السويسرية.
تحذير يتجاوز 100 يورو
حذر محللو شركة «مورنينجستار» للأبحاث المالية من أن شتاءً باردًا مصحوبًا باستمرار قيود العرض قد يدفع الأسعار إلى ما بين 90 و120 يورو لكل ميجاواط/ساعة، وهو مستوى لم تشهده القارة منذ أزمة الطاقة قبل أربع سنوات.
وأشار التقرير إلى أن أوروبا تتنافس مع آسيا على شحنات محدودة من الغاز المسال في وقت تتزايد فيه اعتماديتها على الإمدادات الأمريكية.
توترات الخليج تضيق الخناق
يؤدي التفاقم الحالي للتوترات الجيوياسية إلى استمرار تعطل شحنات الغاز المسال القطري عبر مضيق هرمز بفعل النزاع في المنطقة؛ إذ ما زالت صادرات قطر، التي كانت تمثل نحو خمس المعروض العالمي قبل الحرب، قريبة من أدنى مستوياتها.
ويعيد ذلك نمطًا مألوفًا: عجز عالمي في الغاز، واندفاع الشحنات الأمريكية لسد الفجوة، وتنافس أوروبي آسيوي على عدد محدود من الشحنات المتاحة.
أرقام متضاربة عن حجم الفجوة
تتفاوت تقديرات نسبة الامتلاء بين المصادر؛ إذ رصد أحد التقارير مستوى 83% قبل نحو شهر، بينما تشير بيانات أحدث إلى نحو 68%، ما يعكس تدهورًا سريعًا في الأسابيع الأخيرة أو اختلافًا في منهجية القياس.
اعتماد متنامٍ على الغاز الأمريكي
تفيد بيانات وكالة تعاون منظمي الطاقة الأوروبيين (ACER) بأن الواردات الأمريكية من الغاز المسال باتت تمثل نحو 30% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي، في مؤشر على تعمق اعتماد أوروبا على الإمدادات الأمريكية منذ أزمة 2022-2023.
وتضيف الوكالة أن الاتحاد بات أكثر مرونة تجاه الصدمات بفضل التنويع وخفض الطلب، لكن ذلك جعله في المقابل أكثر عرضة لتقلبات سوق الغاز المسال العالمي واضطرابات النقل.
الولايات المتحدة: فاتورة أثقل بأكثر من ضعف التضخم
في المقابل، تحذّر «الرابطة الوطنية لمديري المساعدات الطاقية» (NEADA) من أن نفقات التدفئة المنزلية في الولايات المتحدة سترتفع 8.7% خلال شتاء 2026-2027، أي أكثر من ضعف معدل التضخم، ليصل متوسط إنفاق الأسرة إلى نحو 1030 دولارًا، بزيادة 82 دولارًا عن العام الماضي.
وقال المدير التنفيذي للرابطة مارك وولف إن العائلات تدخل الشتاء دون أي هامش متبقٍ في ميزانياتها، بعدما تحملت بالفعل تكاليف تبريد صيفية قياسية.
زيت التدفئة الأكثر تضررًا
تتفاوت الزيادة بحسب نوع الوقود: 9% لمستخدمي الكهرباء، و5.8% للغاز الطبيعي، و8.7% للبروبان، بينما تصل الزيادة عند مستخدمي زيت التدفئة، المرتبط مباشرة بأسعار النفط الخام العالمية، إلى 31.3%، وهي الأعلى بين كل الفئات.
ويتركز استخدام زيت التدفئة في شمال شرق الولايات المتحدة، الذي سيبقى الأعلى كلفة على مستوى البلاد بمتوسط إنفاق يقترب من 1449 دولارًا.
أثر يتجاوز فواتير التدفئة
لا يقتصر أثر ارتفاع أسعار النفط على فواتير التدفئة؛ فقد سجلت أسعار الوقود عند المضخات ارتفاعًا ملحوظًا، إذ بلغ متوسط سعر البنزين نحو 4.48 دولار للغالون منتصف سبتمبر، مقارنة بنحو 3.20 دولار قبل عام.
كما تقدّر الرابطة أن نحو سدس الأسر الأمريكية متأخر بالفعل عن سداد فواتير المرافق، وأن إجمالي ديون المرافق قد يقترب من 25 مليار دولار بنهاية العام، ما دفعها لمطالبة الكونغرس برفع تمويل برنامج مساعدات الطاقة إلى 7 مليارات دولار.
دور الطقس في صياغة معادلة الطلب
يبقى العامل الوحيد الذي قد يخفف الضغط هو الطقس؛ إذ تفترض توقعات الرابطة أن نمط «إل نينو» سيؤدي إلى شتاء أدفأ من المعتاد في معظم أنحاء البلاد، ما يقلص الاستهلاك، لكن التوقعات الجوية قابلة للتغير، وأي شتاء أكثر برودة سيدفع الاستهلاك والفواتير إلى ما هو أعلى من التقديرات الحالية.
وتلتقي الصورتان الأوروبية والأمريكية عند خيط واحد: تشديد سوق الطاقة العالمي بفعل تعطل إمدادات الخليج وارتفاع أسعار النفط والغاز، وإن اختلفت الأسباب المحلية.
ففي أوروبا يتصدر القلق مخزون الغاز والتنافس مع آسيا على شحنات الغاز المسال، بينما تتركز المخاوف الأمريكية على القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا محدودة الدخل منها، في وقت تبقى فيه التوترات في الخليج المتغير الحاسم على ضفتي الأطلسي.





