الإثنين 21 سبتمبر 2026 الموافق 10 ربيع الثاني 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

أزمة باب المندب.... تطورات عسكرية متسارعة ومخاوف عالمية من إغلاق الممر المائي

الرئيس نيوز

دخلت أزمة باب المندب مرحلة جديدة بعدما تمكن الحوثيون من السيطرة على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن والوصول إلى مضيق باب المندب وجزيرة ميون ومدينة المخا، في تحول عسكري يعيد رسم خريطة الصراع اليمني ويضع واحدا من أهم الممرات البحرية العالمية أمام اختبار جديد، بالتزامن مع استمرار أزمة مضيق هرمز.

وترجح صحيفة "الإندبندنت" البريطانية أن يفتح التقدم الحوثي جبهة ضغط جديدة على السعودية، بعدما أصبح للجماعة الموالية لإيران موقع يطل مباشرة على باب المندب، فيما تواجه الرياض في الوقت نفسه اضطرابات مرتبطة بمسارات تصدير النفط عبر مضيق هرمز. وتكتسب التطورات أهمية أكبر لأن باب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه تمر حركة تجارية حيوية بين آسيا وأوروبا.

 

كيف وصل الحوثيون إلى المضيق؟

بدأ الهجوم الحوثي في أوائل سبتمبر بتحرك سريع على الساحل الغربي، انتهى بالسيطرة على مدينة المخا ثم التقدم نحو منطقة ذو باب وجزيرة ميون. وتقول الصحيفة البريطانية إن الهجوم اعتمد على محاور متعددة وتغطية نارية كثيفة شملت الصواريخ الباليستية، قبل أن يؤدي انهيار خطوط القوات الحكومية وانسحابها إلى تسارع تقدم الحوثيين.

 

وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى أن سقوط جبل دباس في منطقة حيس، ثم الالتفاف عبر الكدحة ومقبنة، ساعدا في فتح الطريق أمام الحوثيين نحو المخا، التي سقطت في العاشر من سبتمبر، قبل انتقال العمليات إلى ذو باب وجزيرة ميون ومضيق باب المندب.

 

وأكدت رويترز لاحقا أن الحوثيين تمكنوا من الوصول إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضا باسم ميون، وأن قوات حكومية انسحبت منها، في خطوة عززت موقع الجماعة عند مدخل البحر الأحمر.

 

لماذا يمثل باب المندب نقطة خطيرة؟

لا تعني السيطرة على الجزيرة والمناطق المحيطة بها إغلاق باب المندب تلقائيا، لكنها تمنح الحوثيين موقعا جغرافيا يمكن أن يؤثر في أمن الملاحة. وتقول "الإندبندنت" إن وصول الجماعة إلى المضيق يخلق نقطة ضغط ثانية على السعودية، بعدما أصبحت صادراتها النفطية تواجه بالفعل اضطرابات مرتبطة بمضيق هرمز.

 

وهنا تتداخل الجغرافيا اليمنية مع الاقتصاد العالمي. فأي تهديد مستمر للملاحة في باب المندب قد يدفع شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر واستخدام طريق رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول يرفع زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين والنقل، كما يضغط بصورة غير مباشرة على حركة التجارة عبر قناة السويس.

 

لماذا تبدو واشنطن حذرة؟

الموقف الأمريكي يمثل أحد أكثر عناصر الأزمة إثارة للاهتمام. فقد سبق لواشنطن أن خاضت حملة عسكرية ضد الحوثيين، لكنها تبدو حاليا أكثر ميلا إلى احتواء التطورات بدلا من الدخول في مواجهة مباشرة جديدة.

 

وكشف تقرير "الإندبندنت" أن واشنطن تجاهلت إلى حد كبير الاضطرابات المستمرة التي أحدثها الحوثيون حول البحر الأحمر، لكنها حذرت من أن اتساع الحرب بين السعودية والحوثيين قد يجبرها على التدخل. ويرتبط ذلك بحسابات أوسع تخص المواجهة الأمريكية مع إيران وتعدد الجبهات المفتوحة في المنطقة.

 

وأكدت رويترز وجود اتصالات مباشرة بين مسؤولين أمريكيين وممثلين للحوثيين في سلطنة عمان خلال سبتمبر، حيث أبلغ الحوثيون الجانب الأمريكي، وفقا لمصادر الوكالة، أنهم لا ينوون استهداف السفن الأمريكية وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2025.

 

لكن هذا المسار لا يعني أن واشنطن قبلت بالتغير العسكري. فقد ذكرت رويترز في 21 سبتمبر أن إدارة الرئيس دونالد ترامب كانت تستعد لضربات جوية ضد الحوثيين، قبل أن يلغي ترامب العملية في اللحظة الأخيرة، مع استمرار الضغوط السعودية على واشنطن للتدخل. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من تقرير إلغاء الضربات.

 

أوروبا أمام معادلة الملاحة

أما أوروبا فتتعامل مع باب المندب باعتباره قضية أمن اقتصادي إلى جانب كونه أزمة أمنية. فالممر يمثل الطريق البحري الأقصر بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد فيه ينعكس على سلاسل الإمداد الأوروبية.

 

وتزداد حساسية الموقف الأوروبي مع تزامن أزمة باب المندب مع اضطراب مضيق هرمز، ما يعني أن مسارين بحريين حيويين أصبحا معرضين للمخاطر في الفترة نفسها.

 

وفي هذا السياق، لا تبدو القضية مرتبطة باليمن وحده. فقد حذر السفير اليمني لدى بريطانيا ياسين نعمان، في تصريحات نقلتها الإندبندنت، من أن الاكتفاء بالحصول على تعهدات حوثية بعدم تعطيل الملاحة قد يؤدي إلى التعامل مع السيطرة الجديدة باعتبارها أمرا واقعا، بدلا من معالجة تداعياتها السياسية والعسكرية الأوسع. وهذه قراءة سياسية يمنية تعبر عن موقف صاحبها ولا تمثل تقييما مستقلا محسوبا على الصحيفة.

 

 

وتضيف التطورات الأخيرة بعدا آخر للأزمة، إذ يرى معهد تشاتام هاوس أن سيطرة الحوثيين على المخا والتقدم نحو باب المندب تمنح إيران وحلفاءها قدرة أكبر على الضغط على نقطتي اختناق بحريتين استراتيجيتين، هما هرمز وباب المندب.