الجمعة 04 سبتمبر 2026 الموافق 22 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

رغم غيابها عن «اتفاقية مكة».. لماذا لا تستطيع السعودية تجاوز مصر أمنيًا؟

أرشيفية
أرشيفية

رغم غياب مصر عن اتفاقية مكة التي جمعت بين السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي ثلاثي، لا يبدو أن القاهرة خارج الحسابات السعودية الأوسع للأمن الإقليمي، بحسب تحليل نشرته "ذا أراب ويكلي" اللندنية. 

فقد أجرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس عبدالفتاح السيسي ركزت على جهود خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، في مؤشر على الأهمية المستمرة التي توليها الرياض لمصر بوصفها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية بالمنطقة. 

ولا يعني هذا الاتصال بحد ذاته أن مصر في طريقها للانضمام للاتفاقية الثلاثية، لكنه يأتي في سياق أوسع تتجاوز فيه العلاقات السعودية المصرية أطر التحالفات الجديدة الناشئة في المنطقة. 

خيار متعمد لا استبعاد قسري

ترجح "ذا أراب ويكلي" أن قرار مصر البقاء خارج الاتفاقية الثلاثية قد يكون متعمدًا أكثر منه حالة استبعاد؛ فالقاهرة تنتهج منذ سنوات سياسة تهدف إلى الحفاظ على هامش مناورة واسع بين القوى العالمية والإقليمية الكبرى، وتتجنب الانجرار بسهولة إلى ترتيبات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع طرف إقليمي أو دولي. 

ويكتسب هذا النهج أهمية أكبر في ظل التحولات الحالية بالمنطقة، مع كون حدود التحالفات الناشئة وأهدافها النهائية لا تزال قيد التشكل. فالاتفاقية الثلاثية قد تعزز دور الدول الموقّعة الثلاث في معادلة الأمن الإقليمي، لكن طبيعتها المستقبلية ستعتمد على ما إذا كانت ستتطور لتتجاوز كونها إطارًا دفاعيًا إلى ترتيبات أوسع، وهو ما أثار أصلًا جدلًا حول ما إذا كانت قد ترسي أسس تحالف عسكري إسلامي جديد، وبالنسبة لمصر، فالسؤال ليس مجرد الانضمام من عدمه، بل ما نوع الترتيب الذي ستؤول إليه الاتفاقية والوجهة التي تسير نحوها. 

لا يمكن تصور نظام أمني متماسك دون مصر

من منظور سعودي، يصعب تصور إعادة بناء نظام أمني إقليمي متماسك دون مصر، حتى لو لم تكن القاهرة جزءًا رسميًا من كل إطار تحالفي جديد؛ فمصر تمتلك أحد أكبر الجيوش في العالم العربي، وموقعًا استراتيجيًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتسيطر على قناة السويس، وتحمل وزنًا سياسيًا في قضايا تشمل غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر.

ويمنح هذا الرياض هامشًا للتعامل مع القاهرة عبر صيغة أكثر مرونة: فالدول لا يتوجب عليها بالضرورة أن تكون داخل تحالف ما لتكون جزءًا من معادلته الأمنية الأوسع. 

وبموجب هذا النهج، يمكن للقاهرة أن تلعب دورًا داعمًا أو موازيًا، أو أن تكون شريكًا في قضايا محددة، دون أن تلتزم بالضرورة بكل التزامات العضوية الرسمية، في صيغة قد تخدم الطرفين معًا: تحتفظ السعودية بدعم قوة عربية كبرى، بينما تحافظ مصر على هامش المناورة الذي تحتاجه في سياستها الخارجية. 

"عضوية بحكم الواقع".. حاضرة دون توقيع

هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ"العضوية الفعلية" المحتملة لمصر؛ فالقاهرة ليست طرفًا في الاتفاقية الثلاثية، لكنها تظل حاضرة في الحسابات السياسية والأمنية لأعضائها، وتحديدًا السعودية. 

ويعزز الاتصال الهاتفي الأخير بين الأمير محمد بن سلمان والسيسي فكرة أن التنسيق بين البلدين لا يحتاج إلى إطار تحالفي جديد ليظل فعالًا؛ إذ تناول الزعيمان مسائل نزع التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار، وهي قضايا تقع في صميم الجدل الدائر حول مستقبل النظام الأمني الإقليمي.

وسبق للقاهرة والرياض أن نسّقتا مواقفهما في أزمات إقليمية متعددة، مع تأكيد الجانبين على أهمية الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها. 

وعليه، فإن قرار مصر عدم توقيع اتفاقية مكة لا يشير بالضرورة إلى خلاف استراتيجي مع السعودية، بل قد يعكس اختلافًا في طريقة تعامل كل من البلدين مع مفهوم التحالفات. 

القاهرة تنتظر لاختبار النوايا

بالنسبة لمصر، يبقى العامل الأهم هو فهم طبيعة التحالف الثلاثي وأهدافه النهائية؛ فإذا تطور ليصبح إطارًا دفاعيًا مفتوحًا يركز على حماية أعضائه وردع التهديدات، فقد تجد القاهرة نفسها أقرب إليه، سواء عبر العضوية أو من خلال ترتيبات تعاون موازية، أما إذا اتخذ التحالف طابعًا موجهًا ضد دولة بعينها، سواء كانت إيران أو غيرها، فستصبح حسابات مصر أكثر تعقيدًا. 

التوازن الاستراتيجي 

واختتمت الصحيفة تحليلها بالقول: "ولا يبدو أن القاهرة حريصة على الانخراط في محور إقليمي جديد يبنى أساسًا حول المواجهة، خصوصًا أنها تسعى للحفاظ على علاقات متعددة مع قوى متنافسة، من بينها الولايات المتحدة والصين وقوى إقليمية أخرى. 

وقد ظهر هذا جليًا في علاقة مصر بالصين؛ فخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للقاهرة، شدد السيسي على أن مصر تنتهج سياسة "التوازن الاستراتيجي" وتسعى لتوسيع نطاق علاقاتها مع القوى الكبرى، وهو المنطق نفسه الذي قد يفسر موقف القاهرة تجاه التحالفات الإقليمية".