جديدة لأمن الشرق الأوسط من قناة السويس إلى الفضاء.. كيف تعيد الصين رسم شراكتها مع مصر؟
طرح الرئيس الصيني شي جين بينج، خلال محادثاته مع الرئيس عبدالفتاح السيسي في القاهرة، الأربعاء، مقترحًا من أربع نقاط لبناء "هيكل أمني جديد" في الشرق الأوسط، قائمًا على رؤية أمن مشترك وشامل وتعاوني ومستدام، وفقا لصحيفة"جلوبال تايمز" الصينية.
ودعا شي، من أجل تعزيز الأمن المشترك، إلى إطلاق العنان للمحركات الداخلية، وتبني نهج متكامل، وترسيخ أسس التنمية، وتعزيز التنسيق الدولي. من جانبه، رحب السيسي بزيارة شي التاريخية بمناسبة الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية، مؤكدًا التزام مصر بمبدأ الصين الواحدة وبتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وتأتي الزيارة، الأولى للرئيس شي إلى المنطقة منذ أربع سنوات والأولى للقاهرة منذ عقد، فيما تسعى بكين لتوسيع نفوذها وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
"استقلالية استراتيجية" لا اعتماد على الخارج
يرى محللون صينيون أن مقترح شي يحمل رسالة مفادها أن دول المنطقة ينبغي أن تسعى لاستقلالية استراتيجية أكبر بدل الاعتماد المفرط على الخارج. وقال سون ديغانغ، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان الصينية، إن كثيرًا من دول المنطقة اعتمدت لعقود على قوى خارجية لحمايتها وأنفقت مبالغ طائلة على أسلحة غربية، لكن ذلك لم يترجم دائمًا إلى حماية فعلية، ما يدفعها الآن لإعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية بعيدًا عن أن تصبح أدوات في تنافس القوى الكبرى.
وأكد ليو شينلو، نائب رئيس جامعة بكين للدراسات الأجنبية، أن طرح المقترح في مصر تحديدًا يبرز أهميتها كـ"مرساة" استقرار إقليمي ووسيط رئيسي في القضية الفلسطينية وحماية ملاحة البحر الأحمر.
بيان مشترك وتوطين صناعي
أصدر البلدان بيانًا مشتركًا حول تعميق شراكتهما الاستراتيجية الشاملة، مؤكدين صداقة قائمة على المساواة والثقة المتبادلة، واتفقا على تعزيز التنسيق بشأن الحوكمة العالمية ومصالح دول الجنوب العالمي، إضافة إلى تشجيع الشركات الصينية على التعاون في التوطين الصناعي ودعم التحول الرقمي في مصر. وقال لي وي جيان، الباحث في معهد شنغهاي للدراسات الدولية، إن أهمية هذا التعاون تزداد وضوحًا وسط الاضطراب المتجدد في المنطقة، بعد أن عاد النزاع بين إسرائيل وحماس والتوترات حول إيران ليعطلا الاستقرار الذي أعقب مصالحة السعودية وإيران.
مجالات جديدة: من السيارات الكهربائية إلى الفضاء
دعا شي إلى خلق "محاور جديدة" للتعاون في الطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية والفضاء والاقتصاد الرقمي والزراعة الحديثة، ووقع الجانبان أكثر من ٢٠ وثيقة تعاون. وأوضح لي أن دولًا كمصر والسعودية والإمارات باتت تحتاج تعاونًا يتجاوز البنية التحتية التقليدية نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وهو ما قد يولّد أثرًا استعراضيًا أوسع عبر الشرق الأوسط وأفريقيا.
من صحراء إلى ٢٠٠ شركة: قصة "تيدا" على أرض الواقع
يتجلى أثر هذا التعاون ميدانيًا في منطقة "تيدا" الصناعية بقناة السويس، حيث تحولت أرض صحراوية قاحلة إلى نموذج يجد فيه شباب مصريون فرص عمل، بحسب معاينة مباشرة لصحفيي "غلوبال تايمز". وقال محمد عيسى، الموظف في شركة "إكس دي-إيجيماك" والمعروف باسمه الصيني "يون هاي": "حين انضممت عام ٢٠١٥، كان نصف هذه المنطقة تقريبًا لا يزال صحراء. واليوم أسست أكثر من ٢٠٠ شركة عملياتها هنا"، مضيفًا أن وظيفته غيّرت مسار حياته وباتت تضعه ضمن الطبقة الوسطى المصرية. ومنذ تأسيسها عام ٢٠٠٩، نفّذت شركته ٦٥ مشروعًا لنقل وتحويل الطاقة في مصر، بحصة سوقية تتجاوز ٣٠ بالمئة وقيمة عقود تراكمية بلغت ٦.٧ مليار يوان (٩٧٠ مليون دولار)، كاسرة هيمنة طويلة الأمد للشركات الأوروبية والأمريكية في هذا القطاع.
وتأسست "تيدا" عام ٢٠٠٨ كمشروع نموذجي يربط مبادرة الحزام والطريق بتطوير قناة السويس، وتوسعت غربًا بمساحة ٢.٨٦ كيلومتر مربع العام الماضي مع تزايد اهتمام الشركات الصينية. وقال ليو شينلو إن هذا النموذج، المنتقل من البنية التحتية إلى القطاعات عالية التقنية، يقدم مثالًا قابلا للتكرار للتعاون بين دول الجنوب العالمي.
من بيشكيك إلى القاهرة
أوضحت "ساوث تشاينا مورنينج بوست" أن رحلة شي من آسيا الوسطى إلى مصر تعكس جهود بكين لتعزيز شبكات تجارية بديلة عبر أوراسيا وأفريقيا، في ظل حروب وتعريفات جمركية تكشف اعتماد الصين على طرق إمداد هشة. ووصل شي بعد قمة منظمة شنغهاي في بيشكيك، حيث اتفق مع مودي وبوتين على تعميق الروابط الاقتصادية.
ويعتزم الجانبان استكشاف التعاون في الطاقة المتجددة ومراكز البيانات وأشباه الموصلات وسلاسل إمداد المعادن الحيوية. كما رحب البلدان بتجديد اتفاقية مبادلة العملات وتوسيعها، داعين لاستخدام أوسع لليوان والجنيه المصري، في خطوة يرى فيها ألفريدو مونتوفار-هيلو من مؤسسة “أنكورا كونسلتنج” الأمريكية الاستشارية منطقًا سياسيًا لبناء شبكات تحصن الصين من قيود غربية مستقبلية.
"أفضل العلاقات في التاريخ".. مصر تسعى للتوازن مع الغرب
تصف الخارجية الصينية العلاقات بأنها "في أفضل حالاتها في التاريخ"، في زيارة هي الأولى لشي إلى مصر منذ يناير ٢٠١٦. في المقابل، زار السيسي الصين ثماني مرات منذ ٢٠١٤، آخرها مايو ٢٠٢٤، ما يعكس عدم توازن في وتيرة الزيارات رغم عمق العلاقة.