الإذاعة الأمريكية عن «الفول والطعمية»: تاريخ 3 آلاف سنة ووجبة في متناول الجميع
سلط تقرير لهيئة الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية الضوء على الطعمية كأشهر أطباق الإفطار في مصر، وهي وصفة طعام شعبية ارتبطت بالحياة اليومية لملايين المصريين، رغم أن جذورها تمتد إلى تاريخ قديم للغاية. وغالبا ما تقدم الطعمية إلى جانب الفول المدمس، في ثنائي مصري تقليدي يجمع بين القوام الكريمي للفول والقرمشة المميزة للطعمية.
وفي أحد محال الطعام البسيطة وسط القاهرة، تجلس الطعمية على موائد الشارع كوجبة يومية مألوفة. تبدو قطع الطعمية للوهلة الأولى شبيهة بالفلافل المعروفة في دول أخرى مثل دول الخليج وأوروبا، لكنها تختلف عنها في مكونها الأساسي؛ فالطعمية المصرية تصنع من حبوب الفول، وليس من الحمص.
وتكتسب الطعمية مكانتها من كونها أكثر من مجرد وجبة سريعة. فهي جزء من تقاليد الإفطار والتجمع الاجتماعي، إذ ارتبط تناولها بالجلوس مع الأصدقاء ومشاركة الطعام، إلى جانب كونها وجبة مشبعة ومنخفضة التكلفة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
الفول والطعمية.. ثنائي الإفطار المصري
يعرف الجمع بين الفول المدمس والطعمية محليا باسم "فول وطعمية"، وهو من أكثر التركيبات الغذائية انتشارا في وجبة الإفطار المصرية. ويعتمد الفول المدمس على حبوب الفول المطهية والمهروسة، ثم يضاف إليها الزيت والطحينة وعصير الليمون، بينما تتميز الطعمية بقوامها المقرمش من الخارج واللين من الداخل.
ولا تقتصر أهمية الفول في المطبخ المصري على العصر الحديث، إذ تعود زراعته واستخدامه في مصر إلى آلاف السنين. وتظهر صور مرتبطة بتقديم الفول ضمن القرابين الرمزية للآلهة المصرية القديمة قبل نحو 3000 عام، في إشارة إلى قدم حضور هذه الحبوب في الثقافة الغذائية المصرية.
آلاف الأقراص يوميا
تبدأ صناعة الطعمية بتحويل الفول إلى خليط ناعم يضاف إليه مزيج من الأعشاب والتوابل، من بينها الكزبرة والشبت والكمون. وبعد تجهيز الخليط، تشكل منه كرات صغيرة بأحجام متقاربة، ثم تلقى في زيت ساخن وغزير حتى تتحول إلى اللون الذهبي وتكتسب قوامها المميز.
وفي أحد أماكن بيع الطعمية في القاهرة، يصل الإنتاج اليومي إلى أكثر من 4000 قطعة، مع اختلاف بسيط في أحجامها، إذ لا تعتمد عملية التشكيل بالضرورة على قياسات دقيقة، وإنما تتم بصورة يدوية تعتمد على الخبرة والنظر. وبالتوازي مع ذلك، يحضر الفول باستخدام الخلاط للحصول على قوام ناعم وكريمي، قبل إضافة الزيت والطحينة وعصير الليمون إليه.
وجبة في متناول الجميع
يقدم الفول غالبا داخل نصف رغيف من الخبز البلدي المصري، لتتحول الوجبة إلى سندويتش بسيط ومشبع. ويبلغ سعر أحد هذه السندويتشات الصغيرة نحو 10 جنيهات مصرية، أي ما يعادل نحو 20 سنتا، وفقا للمادة الأصلية.
وتكتسب هذه الوجبة أهمية خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها قطاع من المصريين. ومع وجود نحو ثلث السكان تحت خط الفقر ويعيشون على بضعة دولارات يوميا، يمثل الفول والطعمية خيارا غذائيا منخفض التكلفة وقادرا على توفير قدر كبير من الشبع والطاقة.
لكن الطعمية لا تؤدي وظيفة اقتصادية وغذائية فقط، بل تحمل أيضا جانبا اجتماعيا واضحا. فتناولها في المطاعم الشعبية أو عربات الطعام وفي الشوارع، ومشاركة الإفطار مع الأصدقاء والجيران، يجعلها جزءا من المشهد اليومي للحياة المصرية.
قرمشة صنعت شهرتها
رغم بساطة مكوناتها، تعتمد جاذبية الطعمية بدرجة كبيرة على التباين بين قوامها الخارجي المقرمش وداخلها الطري الغني بالأعشاب والتوابل.
وعند تناولها ساخنة بعد خروجها مباشرة من الزيت، تظهر القرمشة التي أصبحت إحدى أبرز سمات الطعمية المصرية، بينما يمنحها الفول والأعشاب والتوابل مذاقا مميزا يختلف عن الفلافل المصنوعة من الحمص.
ويجمع طبق "فول وطعمية" بين تاريخ غذائي يمتد لآلاف السنين، وعادة يومية راسخة، ووجبة اقتصادية تناسب ملايين المصريين. وبينما يبدو الطبق بسيطا في مكوناته وطريقة تقديمه، فإنه يحكي جانبا من تاريخ مصر الغذائي والاجتماعي، من الفول الذي عرفته الحضارة المصرية القديمة إلى عربات الطعام والمطاعم الشعبية التي تقدم آلاف أقراص الطعمية يوميا في شوارع القاهرة.





